هناك أدوار نشاهدها ثم نغادرها، وأدوار أخرى تلتصق بنا. شخصية كاثي في "East of Eden" من النوع الثاني. والأغرب أن فلورنس بيوغ Florence Pugh بهذا الوجه الجميل والحضور الآسر، اختارت أن تجعلنا ننفر منها إلى درجة أننا نكاد ننسى أنها هي الممثلة التي نعرفها.
في هذا العمل الجديد على Netflix، بيوغ شخصية شريرة وامرأة يصعب الإمساك بها: جميلة، باردة، مراوغة، قادرة على التظاهر بالبراءة فيما تخبئ وراءها قسوة لا حدود لها. إنها مقززة إلى حد العشق، ولئيمة إلى حد الإبهار. وكلما ازداد نفورنا منها، ازداد إعجابنا بالممثلة التي تمكنت من الوصول بنا إلى هذه الدرجة.
الجمال المخيف
المسلسل مقتبس من رواية جون شتاينبك الشهيرة" “East of Eden، التي صدرت عام 1952، وهي من الأعمال الأدبية التي تتأمل الخير والشر، والخطيئة والاختيار، وما يرثه الأبناء من آبائهم وما يحاولون الهرب منه.
تدور الحكاية حول عائلتي ترَسْك وهاملتون، وفي قلبها الأخوان آدم وتشارلز، ثم الجيل التالي الذي يحمل صراعاتهما معه. لكن المسلسل يضع كاثي أميس في قلب الحكاية، ويمنحها مساحة أكبر لاستكشاف المرأة التي اعتبرها شتاينبك واحدة من أكثر شخصياته التباساً وظلمة.
كاثي ليست شريرة لأنها ترتكب أفعالاً شريرة فحسب بل الأخطر أنها تعرف كيف تبدو بريئة. تعرف كيف تستخدم جمالها، وكيف تقرأ نقاط ضعف الآخرين، وكيف تحول التعاطف معها إلى سلاح.
فلورنس بيوغ.. الجمال المرعب
فلورنس بيوغ الممثلة التي تقدم دوراً مخيفا. أحياناً يكفي أن تنظر، أن تصمت، أن تغيّر نبرة صوتها أو أن تبتسم في اللحظة الخطأ. هناك شيء مقلق في هدوئها، شيء يجعل المشاهد يشعر بأن الشخصية تفكر دائماً بخطوة أبعد منه. امرأة جريئة وقادرة على اتحمل والمواجهة والمخاطرة لحد خيالي.
والأجمل أن البطلة لا تلعب على وتر الشر الواضح. بل تبدو عاشقة في لحظة وحنونة وضعيفة وبريئة لكن في الخبايا هي امرأة غدارة ومشاكسة حد الاجرام ومسيطرة حد الاستبسال.. لذلك يصبح من الصعب أن نضعها في خانة واحدة.
إنها امرأة جميع الأقنعة ، وبيوغ تعرف كيف تغيّر وجهها من قناع إلى آخر من دون أن نشعر بالانتقال.
من "Little Women" إلى كاثي
ربما لهذا الدور وقع خاص في مسيرة فلورنس بيوغ. فمنذ ظهورها اللافت في "Lady Macbeth"، ثم أدوارها في " Midsommar" و"Little Women" و"Oppenheimer"، أثبتت أنها ممثلة قوية وقادرة على ترك اثر.
عن دورها في "Little Women"، حصلت بيوغ على ترشيحها للأوسكار لأفضل ممثلة مساعدة عام 2020، وهي كانت يومها من أصغر المرشحات في الفئة. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد مجرد موهبة واعدة، بل أصبحت اسماً براقاً في جيل جديد من الممثلات القادرات على الانتقال بين الدراما والرعب والسينما التاريخية والشخصيات المعقدة.
وفي "East of Eden يبدو أنها تخطو خطوة أخرى. فلا نعود نرى وجه الممثلة بل نرى الشخصية بكل ما فيها تلتصق بالمشاهد تغضبه وتجرحه وتقززه مقدمة أقوى أداء يمكن أن يمنحها الممثل لدوره.
الشر الذي لا نريد أن نحبه
ما يجعل العمل مثيراً ليس سؤال: «هل كاثي شريرة؟» فالإجابة واضحة. السؤال الأكثر إزعاجاً هو: "لماذا لا نستطيع أن نرفع أعيننا عنها؟"
ثمة جاذبية غريبة في الشخصيات التي لا تطلب منا أن نحبها. وكاثي تحديداً تجبرنا على مشاهدة الجانب المظلم من الإنسان من دون أن تمنحنا راحة الحكم السريع.
أما فلورنس بيوغ، فتخرج من هذا الدور أكثر رسوخاً في مكانتها. ليست ممثلة جميلة تؤدي شخصية شريرة؛ إنها ممثلة تمتلك من الأدوات ما يكفي لتجعل جمالها نفسه جزءاً من الخديعة.
ولهذا، بعد انتهاء East of Eden، قد ننسى بعض التفاصيل، وربما نختلف حول بعض اختيارات العمل، لكن من الصعب أن ننسى كاثي.
فلورنس بيوغ جعلتنا نتأمل الشر ونصدق إنها مخلوقة بهذا الثوب الذي اتشحت به. وجعلت من العمل واحد من أقوى مسلسلات نتفلكس.