لم يكن الغضب الذي عبّرت عنه الفنانة ياسمين عبد العزيز ردًّا مستغربًا على واقعة تشهير رقمي تعرّضت لها، فالتشهير بالنساء، خصوصًا عبر الصور المفبركة، هو أحد أقسى أشكال العنف المعنوي على مواقع التواصل الاجتماعي. غير أنّ الإشكالية لم تكن في الغضب ذاته، بل في اللغة التي اختارتها للتعبير عنه، وما تحمله من دلالات فكرية وثقافية خطيرة.

من المعتدي إلى النساء: انحراف بوصلة الغضب
في ردها العلني، لم تكتفِ ياسمين بتوجيه غضبها إلى الشخص الذي قام بتزوير صورتها ونشرها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين تمنت الفضيحة والأذى لنساء عائلته: أمه، أخته، ابنته، زوجته، ونساء بيته كافة. لم يكن الخطاب موجهاً إلى الفاعل، بل تحوّل إلى عقاب جماعي رمزي للنساء، فقط لكونهن نساء مرتبطات به.
مفارقة أخلاقية صادمة
المفارقة أن امرأة تعرّضت للتشهير، وهو فعل قائم أساسًا على استباحة جسد المرأة وسمعتها، اختارت أن ترد بتمنّي الاستباحة نفسها لنساء أخريات. ردّ ياسمين ليس دفاعًا عن النفس بل إعادة إنتاج مباشرة لمنطق العقاب الذكوري الذي يرى المرأة ساحة للانتقام، وسمعتها أداة للثأر.
فكر ذكوري بلغة أنثوية
خطاب ياسمين لا يمكن فصله عن ثقافة ذكورية راسخة، تعتبر أن إيذاء الرجل يكون عبر نسائه. وهو فكر فجّ، لا يليق بامرأة، ولا بفنانة ذات حضور جماهيري، ولا بأي شخص يُفترض به الحد الأدنى من الوعي الثقافي والاجتماعي. الأخطر هنا أن هذا الخطاب صدر عن امرأة، ما يمنحه غطاءً زائفًا، رغم أنه يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي تعاني منه النساء يوميًا.
المسؤولية العامة للفنانة
الفنانة ليست شخصًا عاديًا يعبّر في دائرة مغلقة، بل شخصية عامة، وكلماتها تُقرأ وتُحلل وتؤثر. وعندما تستخدم لغة إقصائية وعقابية بحق نساء بريئات، فإنها تكرّس ثقافة تبرر العنف المعنوي بدل تفكيكه، وتمنح المشروعية لخطاب كان يفترض أن تكون أول من يرفضه.
الدفاع لا يبرر السقوط الأخلاقي
لا خلاف على حق ياسمين عبد العزيز في الدفاع عن نفسها، بل في ضرورة محاسبة من شهّر بها قانونيًا وأخلاقيًا. لكن الدفاع عن الكرامة لا يكون عبر انتهاك كرامة أخريات. الغضب مفهوم، أما تحويل النساء إلى أهداف جانبية للانتقام، فهو سقوط أخلاقي وفكري لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.
القضية هنا لا تتعلق بياسمين عبد العزيز كشخص، بل بخطاب أعمق وأخطر: خطاب يواجه الظلم بإعادة إنتاجه، ويقاوم التشهير بتمني التشهير. وهو ما يستدعي وقفة نقدية جادة، لأن كسر هذه الدائرة لا يبدأ بالغضب، بل بالوعي.