في الطبيعة، لا ينتقل كائن حي من بيئة إلى أخرى من دون ثمن. السمكة التي تُنقل فجأة من ماء اعتادت عليه إلى ماء مختلف في درجة الحموضة قد تموت خلال دقائق. الفارق ليس في الماء ذاته، بل في الصدمة. هذه الفكرة تختصر جوهر مسلسل “اتنين غيرنا”: ماذا يحدث حين يُنتزع إنسان من عالمه ويُلقى في عالم لا يشبهه؟
المخرج خالد الحلفاوي يقدّم عملًا هادئًا في شكله، لكنه قاسٍ في مضمونه. نعومة الإخراج ليست تجميلًا بصريًا، بل خيارًا دراميًا يوازي خشونة التحولات التي يعيشها أبطاله.

سرد يتقدّم بالتقشير لا بالصدمة
السيناريست رنا أبو الريش تبني نصًا يعتمد على تفكيك الشخصيات تدريجيًا. كل حلقة تزيح طبقة جديدة عن حسن ونور، من دون افتعال أو صراخ درامي. الذكاء هنا في التتابع، وفي الانتقالات التي تحافظ على إيقاع متماسك.
العمل يضع الطبقات الاجتماعية في مواجهة غير مباشرة. الفقير يظن أن المتوسط أقل معاناة، والمتوسط ينظر إلى الثري كأنه يعيش في نعيم دائم. المسلسل يفكك هذه الصورة النمطية بهدوء، ليؤكد أن لكل طبقة هشاشتها وأزماتها الخاصة.

مونتاج متوازٍ… وانقسام داخلي
في الحلقات الأولى، يعتمد الحلفاوي تقنية المونتاج المتوازي وتقسيم الكادر إلى نصفين، في انعكاس بصري لانقسام بطليه. حسن ونور لا يعيشان فقط في عالمين مختلفين، بل يحمل كل منهما انقسامًا داخليًا واضحًا.
أداء آسر ياسين يأتي متزنًا، بشخصية محاطة بالأصدقاء بينهم فدوى عابد وناردين فرج، لكنه يظل أسير عزلة اختارها بعد انفصاله عن زوجته السابقة التي تؤديها هنادي مهنا. داخل أسرته أيضًا، مع الأم سحر رامي والأخت نور إيهاب، يبقى الإحساس بالوحدة حاضرًا رغم الدفء الظاهري.
نور… الضوء الذي يخفي ظله
في المقابل، تقدّم دينا الشربيني شخصية نجمة تعيش في قلب الأضواء، لكنها مطاردة بظلال الماضي. الشهرة هنا ليست امتيازًا، بل عبئًا دائمًا. العمل لا يكتفي بانتقاد السوشيال ميديا كأداة تنمر، بل يعرضها كمنظومة ضغط تُحوّل الحياة الخاصة إلى ساحة عامة.
“اتنين غيرنا” لا يصرخ بشعارات عن قسوة المنصات الرقمية، بل يختار معالجة أكثر هدوءًا وذكاءً، حيث الألم شخصي ومباشر، لا تنظيري.
عنوان يحمل أمنية مبطنة
اختيار عنوان المسلسل ليس اعتباطيًا. “اتنين غيرنا” يبدو كأنه أمنية مشتركة بين بطليه: لو التقيا في ظرف مختلف، أو زمن أقل قسوة، هل كان المسار سيتغيّر؟ كل منهما يتمنى أن يكون “غيره”، بعيدًا عن عقارب الشهرة وثعابين الماضي.
المونتاج، الإخراج، والأداء يقفون في مقدمة عناصر القوة، وتأتي الموسيقى التصويرية لـ تامر عطاالله لتضيف طبقة إحساس إضافية من دون مبالغة.
في المحصلة، “اتنين غيرنا” عمل يناقش فكرة الانتقال القسري بين العوالم، وثمن الشهرة، وهشاشة الصورة الاجتماعية. يبقى السؤال للمشاهد: هل وجدتم أنفسكم في حكاية حسن ونور، أم بقيتم على مسافة منها؟