TRENDING
Reviews

كارين رزق الله في "المحافظة 15" إبداعٌ يجفف طين السياسة بمواقف وجدانية

كارين رزق الله في


في دراما رمضان 2026، لم تكتفِ الكاتبة كارين رزق الله بتقديم عمل درامي ، بل اختارت السير فوق أرضٍ مفخخة بالذاكرة والألم. من خلال مسلسل "المحافظة 15" (إخراج سمير حبشي، إنتاج مروى غروب)، اجتازت رزق الله الامتحان الأصعب، متمكنةً من المشي بين الألغام بخطى واثقة، متجردةً من أي عصبية ضيقة، لتعالج واحدة من أكثر الملفات الشائكة والحساسة: قضية المفقودين والسجون.

ذكاء النص: تجفيف الطين بلمسة رقيقة

بذكاء لافت وحساسية مفرطة، اقتربت كارين من "المحرمات" التي أُحيطت بقصص السجون لفترات طويلة. لم تكن تهدف إلى نبش القبور لنثر الغبار أو إثارة الأحقاد، بل كانت تحاول "تجفيف الطين" برقة وخفة. اعتمدت على حوارات إنسانية عميقة تخرق الجمود الوجداني، محولةً العلاقة السورية اللبنانية في نصها إلى ملتقى لـ "الدفء بالدفء". لقد جعلت من الوجع سماءً مشتركة بين شعبين، ومن التضافر لغةً يحتاجها الجميع لتجاوز عثرات الماضي.

المفقودون.. حين يصبح الجرح جسراً

بعيداً عن قوالب الحب المستهلكة (الكليشيهات)، يضع المسلسل إصبعه على جرح المفقودين النازف. ينطلق العمل من لحظة تاريخية فارقة (تحرير سجن صيدنايا عام 2024)، ليسرد حكاية سجينين، لبناني وسوري. يخرج الصديقان إلى حرية مشوهة وواقع اجتماعي غريب، ليبدأ "فؤاد كامل" (السجين اللبناني) رحلته المثقلة بالأمراض والعقد، فلا يجد حضناً يحتويه أو عقلاً يتفهمه سوى رفيقه السوري الذي شاطره ظلمة الزنزانة لسنوات.

هنا تبرز براعة كارين؛ فهي لم تبنِ العمل على "الخصام"، بل على "المؤازرة". أظهرت أن المعاناة لا هوية لها، وأن المحبة القائمة بين الأفراد أقوى من كل الصراعات السياسية.


جدلية الاسم وعمق الدلالة

لم يمر "المحافظة 15" مروراً عادياً، بل أثار ضجة لافتة تجاوزت الحبكة الفنية لتصل إلى عمق الذاكرة السياسية. فالتسمية التي استوحتها رزق الله من حقبة "الوصاية" حين كان يقال بإدماج لبنان كمحافظة سورية — تحولت في المسلسل من مشروع هيمنة إلى مشروع مكاشفة.

لقد نجحت كارين رزق الله في أن تقدم عملاً يتكأ على الإنسانية الخالصة، محولةً ملف السجناء من مادة للسجال السياسي إلى ملحمة وجدانية، تثبت أن الفن الحقيقي هو الذي يملك الشجاعة للمشي بين الألغام دون أن يفجرها، بل ليزرع مكانها زهور الفهم والقبول المشترك.