لم يكن فندق "كومفورت" (Comfort) على طريق بعبدا – الحازمية مجرد جدران وأسقف، بل كان ركناً من أركان الحكاية الكبرى لأسطورة لبنان، صباح. اليوم، ومع تصاعد الدخان من غارة استهدفت هذا المكان، لم تسقط الحجارة وحدها، بل اهتزت معها ذاكرة فنية وشخصية تعبق برائحة "الصبوحة" وضحكتها التي لا تغيب.
رحلة الرحيل عن "البيت":الصبوحة تبيع استقرارها
لطالما تساءل الكثيرون: لماذا باعت صباح شقتها الفاخرة واختارت العيش في الفنادق؟ الحقيقة تكمن في كرمها الأسطوري الذي تجاوز الحدود. باعت صباح منزلها لا ضيقاً في الدنيا، بل لتظل يدها ممدودة بالعطاء لمن حولها، ولتؤمن حياة كريمة لعائلتها وأحبائها، مفضلةً حياة "الترحال الفاخر" في أجنحة الفنادق على قيود الجدران الثابتة. كانت تقول دائماً إنها لا تملك شيئاً في هذه الدنيا، وإن "الناس هم ثروتها الحقيقية".
"كومفورت".. الصالون الدافئ قبل المحطة الأخيرة
بعد بيع شقتها، كان فندق "كومفورت" هو الملاذ. هناك، لم تكن صباح مجرد "نزيلة"، بل كانت الروح النابضة للمكان.
جانو فغالي، ابنة شقيقة الشحرورة، استعادت بحرقة ذكريات الحب والألفة في هذا الفندق، حيث كان يجمع العائلة والأصدقاء تحت رعاية أصحابه المقربين (آل شبلي).
كان الفندق شاهداً على جلسات فنية، وضحكات عائلية، وزيارات لم تنقطع، محولاً الغرف الصماء إلى بيتٍ دافئ يضجّ بالحياة.

من "كومفورت" إلى "برازيليا".. وداع يليق بالهامة
لم تكن مغادرة صباح لفندق "كومفورت" وانتقالها إلى فندق "برازيليا" (Brasilia) في الحازمية مجرد تغيير للمكان، بل كانت بحثاً عن هدوء أكبر وخصوصية تتناسب مع سنواتها الأخيرة. في "برازيليا"، أمضت الصبوحة فصلها الأخير، حيث أرادت أن تكون قريبة من قلب لبنان، محاطةً بعناية فائقة، حتى أسلمت الروح هناك في عام 2014، تاركةً خلفها الفنادق التي سكنتها كأماكن مقدسة لعشاقها.
غارة تصيب الذاكرة
اليوم، حين استهدفت الغارة فندق "كومفورت"، استيقظت كل الذكريات الجميلة التيتحولت مع الركام إلى طعنة في قلب "الزمن الجميل". وكأن القدر أراد أن يذكرنا بأن وجع لبنان لا يطال الحجر فحسب، بل يمتد ليحرق أوراقاً من كتاب ذكرياتنا الكبرى.
رحلت صباح منذ سنوات، لكن "كومفورت" ظلّ يحفظ صدى صوتها، واليوم تبكي جانو فغالي ويبكي معها المحبون مكانًا كان يوماً ما.. وطناً مؤقتاً لفنانة كانت هي الوطن.