عندما اختار صناع العمل اسماً بحجم "ورد على فل وياسمين"، فإنهم يوقعون مع المشاهد عقداً غير مكتوب بالبهجة، ويمهدون له طريقاً مفروشاً بـ"زياح الأعراس" وأريج الحب. لكننا، ولوهلة صدمتنا النتيجة، وجدنا أنفسنا نساق بوعي أو بدون وعي إلى المقبرة. لقد غشنا السياق تماماً؛ انطلقنا من حدائق الرومانسية والكوميديا الموعودة، لنصطدم بجدار واقعي مرير حوّل المسلسل من واحة فرح إلى مأتم مفتوح.
صبا مبارك: نمرة التمثيل المتمردة
على مدار 15 حلقة، أثبتت النجمة صبا مبارك أنها "النمرة" التي لا يعصاها نص ولا يستعصي عليها تلوّن درامي. في هذا العمل، لم تكتفِ صبا بالأداء، بل انسلخت من جلدها تماماً، وخلعت عباءتها الفنية المعتادة لترتدي "إلهام" الكوافيرة المطلقة، الفقيرة الحال، والأم المناضلة.
بمصريتها الخالصة روحاً ولهجة وحضوراً. تلاعبت صبا بنبرة صوتها، وجاءت بأبعاد حركية وانفعالية لا تشبهها في شيء، لتقدم واحداً من أنصع وأعمق أدوارها التي حُفرت عميقاً في عين وقلب المشاهد. لقد أخذت "إلهام" قلوبنا بضعفها وقوتها، فكانت الحصان الرابح للعمل، والركيزة التي جعلتنا نتمسك بالأمل حتى الرمق الأخير.
طارق: أمنية الحب المستحيلة
في المقابل، جاء شخصية "طارق" (الدكتور المتعلم) ليطرق قلوبنا برومانسية العاشق الصادق؛ ذلك الرجل الذي إن أحب عارك الدنيا، ووثق، وذاب، وناضل من أجل حبه لإلهام رغم الفوارق الطبقية والاجتماعية. طارق كان يمثل "الأمنية" لكل فتاة تبحث عن الروح المرحة، والصدق الناصع، والحب الذي لا يتزعزع أمام الأنواء. هذا التناغم البديع بين إلهام وطارق هو ما جعل الفخ الدرامي أكثر إيلاماً.
زغل الرومانسية والوقوع في فخ الموت
جاء العمل مغلفاً في إطاره العام بوعود الكوميديا والرومانسية، لكن خطته السرية كانت مغايرة؛ فالرومانسية ماتت على فراش المرض، والفكاهة لم تكن سوى طُعم مغشوش لتجعل الصدمة أشد فتكاً.
موت "إلهام" بالسرطان جاء كارثياً، غير محفز درامياً، وقاتلاً للبطل والمشاهد معاً في آن واحد. استكثر الكاتب (أو المخرج) على المشاهد غبطة الانتصار، واختار أن يرفع سقف التوقعات واللحظات العاطفية إلى أعلى قمة ممكنة، ليقذف بالمشاهد فجأة من ذاك العلو الشاهق ويرميه في قاع التشاؤم وظلمة القبر. كريم بات يتيماً وام متقدمة بالسن باتت متروكة

المرارة المبطنة
كأن صُنّاع العمل أرادوا صياغة سوداوية مفادها: "كل جميل إلى زوال". الواقع المرير هو الطريق الاعتيادي الوحيد، وما الرومانسية إلا لحظة كاذبة، والكوميديا ليست سوى موقف مارق وساخر من صاحبه ومن يصدقه.
واقعية مؤذية أم سوداوية مجانية؟
نعم، النهاية جاءت "واقعية" من حيث إن مرض السرطان لا يرحم، وأن الموت حقيقة تواجه المرضى في العالم الحقيقي، لكنها في هذا السياق الدرامي كانت واقعية مؤذية وصادمة.
أن تموت إلهام، ثم يتزوج طارق وينجب ويمضي في حياته، كُرّس كدليل على أن "الحياة غدارة" وأن الواقع الظالم هو السمة السائدة.
النهاية جاءت كتصفية حساب مع الأمل. لقد عوقب المشاهد على تصديقه لـ"العطر" الذي فاح في البداية، ليخرج من الـ 15 حلقة بجرعة مكثفة من الشجن، حزيناً على رحيل إلهام (التي أبدعت صبا في جعلنا نتبناها كأخت وأم وصديقة)، ومتسائلاً: هل كان من الضروري تحويل الورد والفل والياسمين إلى أكاليل جنائزية؟