تحلّ ذكرى ميلاد الفنانة الراحلة ماري منيب، إحدى العلامات الفارقة في تاريخ الكوميديا المصرية، التي لم يكن حضورها الفني قائمًا على الأداء وحده، بل على فلسفة إنسانية عميقة واجهت بها المرض والفقد والحياة حتى لحظاتها الأخيرة.
خوف من المرض لا من النهاية
لم تكن ماري منيب تخشى الموت بقدر خوفها من المرض، إذ كانت ترى فيه عبئًا قد يُثقل كاهل من حولها. ورغم محافظتها الشديدة، وجدت نفسها في مرحلة متقدمة من عمرها مصابة بمرض السكري، فتقبلت الأمر بهدوء لافت، والتزمت التزامًا صارمًا بالعلاج والنظام الغذائي.
يروي ابنها بديع أن الأطباء وصفوا والدته بـ«المريضة العظيمة»، تقديرًا لدقتها في مواعيد الدواء واتباعها الحازم للحمية، وكانت تردد دائمًا عبارات تختصر فلسفتها في الحياة والانضباط: الأكل إن ضرّ فلا حاجة إليه.
خفة ظل لا تنطفئ
على الرغم من حزنها العميق لفراق ابنها فؤاد الذي سافر بعيدًا عنها، فإن ماري منيب لم تسمح للحزن أن ينتصر. كانت توزع صوره في أرجاء بيتها والمسرح وحتى في حقيبتها، لكنها ظلت تدفع أيامها بالضحك، وتواجه كل موقف، مهما كان قاسيًا، بخفة دمها المعهودة.
يوم المسرح الأخير
في يوم الاثنين 20 يناير 1969، ذهبت ماري منيب إلى المسرح كعادتها، وقفت على الخشبة وأضحكت الجمهور من القلب، ثم واصلت إلقاء إفيهاتها على زملائها خلف الكواليس بعد إسدال الستار. غادرت المسرح لاحقًا وهي في حالة من الضحك المتواصل، وكأنها تودّع المكان الذي أحبته أكثر من أي شيء.
قبل أن تخلد إلى النوم، قالت لابنها بديع جملة بدت عفوية لكنها حملت دلالة عميقة: «دعني أضحك، فالعمر غير مضمون».
الرحيل بعد إسدال الستار
في صباح اليوم التالي، دخل بديع إلى غرفة والدته ليعطيها حقنة الإنسولين كما اعتاد، لكنه وجدها قد رحلت في هدوء تام. غابت ماري منيب عن الحياة بعد ساعات قليلة فقط من نزولها عن خشبة المسرح، محققة أمنيتها الضمنية بأن يكون المسرح آخر ما يجمعها بالناس.
شهادة ابنها في حقها
في حديث مؤثر لمجلة «المصور»، قال بديع إن والدته لم تكن مجرد أم له ولأخيه، بل كانت أمًا وأبًا في آن واحد، علمتهما الحب والحنان والسعي بين الناس بالخير والكلمة الطيبة. وأضاف أنه كان يشعر داخل مسرح الريحاني بأنه شقيق لكل فنانة وفنان فيه، لأن ماري منيب كانت أمهم جميعًا، يسندون رؤوسهم إلى صدرها ويستمعون لنصائحها كما يفعل أبناؤها.
إرث فني وإنساني باقٍ
في ذكرى ميلاد ماري منيب، يتأكد أن رحيلها لم يُنهِ حضورها، فقد بقيت ضحكتها حية في الذاكرة الفنية المصرية، وبقيت سيرتها شاهدًا على فنانة واجهت المرض والحياة بوعي، وانتصرت على الألم بالضحك، وقدّمت نموذجًا إنسانيًا لا يقل قيمة عن إرثها الفني.