خيم الحزن على العاصمة دمشق والوسط الفني العربي برحيل الفنانة القديرة هدى شعراوي (87 عاماً)، التي غادرت عالمنا في حادثة مأساوية هزت حي "باب سريجة" التاريخي. لم تكن الراحلة مجرد ممثلة، بل كانت وجهاً دمشقياً أصيلاً رافق العائلات العربية عبر الشاشات لعقود طويلة، محولةً أدوارها البسيطة إلى أيقونات اجتماعية لا تُنسى.

من إذاعة دمشق إلى ريادة الفن
بدأت هدى شعراوي، المولودة في حي الشاغور العريق عام 1938، رحلتها الفنية في زمن كان فيه اقتحام النساء لمجال التمثيل تحدياً كبيراً. اكتشفها الفنان أنور البابا، وقدمها للإذاعة السورية في مسلسل "صرخة بين الأطلال". ومنذ ذلك الحين، حفرت اسمها كواحدة من المؤسسات لنقابة الفنانين السوريين، ممهدة الطريق لأجيال من الفنانات.
"أم زكي".. الشخصية التي سكنت كل بيت
رغم تاريخها الحافل، ظل عام 2006 علامة فارقة في مسيرتها مع انطلاق مسلسل "باب الحارة". جسدت فيه شخصية "الداية أم زكي" ببراعة مذهلة، حتى صار الجمهور يناديها بهذا الاسم في الشارع. لم تكن "أم زكي" مجرد "داية" في المسلسل، بل كانت مخزن أسرار الحارة وحلالة مشاكلها، مما جعلها رمزاً للمرأة السورية القوية والحكيمة في الدراما البيئية الشامية، وكرست حضورها في أعمال أخرى مثل "أيام شامية" و"أهل الراية".
موهبة عابرة للقوالب: من الكوميديا إلى السينما
لم يسجنها "الثوب الشامي" في إطاره، بل أثبتت خفة ظل منقطعة النظير في الكوميديا السورية الكلاسيكية، وتحديداً في سلسلة "عيلة 5 نجوم" و**"عيلة 7 نجوم"**، حيث قدمت شخصيات اتسمت بالعفوية والكوميديا السوداء أحياناً. كما تركت بصمتها في السينما والمسرح عبر أعمال بقيت في الذاكرة مثل فيلم "ذكرى ليلة حب" ومسرحية "عريس لقطة".
أسرار خلف الأضواء
الحياة الخاصة: عاشت الراحلة حياة هادئة بعيدة عن صخب الصحافة، وتزوجت من السيد عبد الرحمن بشر، وكانت تحرص دائماً على فصل حياتها العائلية عن بريق النجومية.
المواهب الخفية: قلة يعرفون أن هدى شعراوي كانت تمتلك صوتاً جميلاً، وشاركت بالغناء في بعض الأعمال التلفزيونية والاسكتشات الإذاعية في بداياتها.
النهاية الحزينة: فارقت الحياة في 29 يناير 2026، في جريمة غامضة لا تزال الأجهزة الأمنية السورية تحاول فك شفراتها، وسط ملاحقة لخادمتها المتوارية عن الأنظار.
رحلت هدى شعراوي جسداً، لكن "أم زكي" ستبقى تطرق أبواب حارات الشام في كل مرة يعاد فيها عرض روائع الدراما السورية.