لا يمر مشهد لها إلا وترفع القلوب ثمانون سنة ضوئية نحو الدهشة.
منى واصف في "مولانا" شخصية تقرأ في كتب الوجدان وأساطير الأداء. عندما رفعت يدها في الحلقة الأولى تناجي الله وتحث العزيمة بدا العمل كمبشر بالسكون والعزيمة والفرادة.
تستطيع واصف بخطواتها الخفيفة أن تنقل المشاهد من طور الارتباك نحو سكون التأمل. وفي صوتها يخرج الزمن بحكايا تخلد وأرواح تستكين عند حافة البصيرة.
تلك الثنائية بين منى واصف وتيم حسن ليست أدوار تمثل ولا شخصيات تحكي ورقها بل موعظة في عالم الفن المتجلي بالرفعة.
"سفيرة السلام" في العالم لم تنحني في قامتها لتمثل الأرض بل رفعتها أكثر وتأخت مع التراب والماء والسماء وباتت وطنا صامداً وشجرة معمرة بالظل والثمر.
واصف في "مولانا" كما في كل عمل صوتها يزيح الجلجلة ويقيم الشغف برنته يطوع المشاكس ويلين الصلب ويقيم الفأل في بيوت العزاء.
عندما تمر منى واصف "جورية" في مشهد تعرف أن الأرض محمية وإن الظالم إلى رحيل وكلمة الحق ستعلو وإن الصلاة تستجاب للمظلومين.
لم يكن اداءها فقط ملحمة الجاذبية بل صوتها في غناء شارة العمل حقل مغنطيس شد الاسماع وباتت شارة وصول نحو العلاء.
الاغنية الوجدانية التي جاءت كطقس ابتهالي بألحانها السريانية كصلاة مرفوعة فوق مذبح الخلاص. غناء لا يمكن وصفه بالصوت بل بالروحية التي تتسع لتطال كل اذن ويرسم النقاء في الاذهان المشوشة.

يعطيك حضورها بإن القرى كما "العادلية" بحاجة إلى قامة من سنديان أو زيتون حيث تكون البركة في النفوس قبل الشجر وإن الأرض تحمى بصلابة القرار وايمان ناسها. و"جورية " هي مرجعية التاريخ وصمود الحاضر وأمل الغد. وواصف تجيد هذه اللعبة في أن تكون شكيمتها أقوى من أي ظلم وقامتها اعلى من أي حيف.
لا تأتي منى واصف في 'مولانا' لتضيف دوراً إلى أرشيفها، بل لتضيف حياةً إلى حكايتنا. هي 'جورية' التي تزرع اليقين في أرض الحيرة، وهي الصوت الذي يذكرنا بأن الفن حين يتطهر بالصدق يصبح صلاة.
في 'العادلية'، قد يضلّ الجميع طريقهم، لكنهم دائماً ما يهتدون بظل قامتها، لأنها باختصار... ليست مجرد ممثلة، بل هي الروح التي تمنح العمل قدسيته، وهي مثال الوطن الذي لا يشيخ.