حلّ الكاتب والناقد الفني جهاد أيوب ضيفًا مع الإعلامية ياسمين بوذياب في برنامج "بودكاست هواكم" في حلقة اتسمت بالصراحة والحدة، ولامست العلاقة المعقدة بين الفن والسياسة والموقف الوطني.
لورا خليل و"الهبل الوطني"
في الحلقة، علّق جهاد أيوب على الفيديو المتداول للفنانة اللبنانية لورا خليل، والذي ظهرت فيه وهي تتوجه بالكلام إلى المتحدث باسم جيش العدو الإسرائيلي افيخاي ادرعي وتصفه بـ"السوبر ستار".
أيوب شن هجوماً قاسياً على لورا خليل، معتبراً أن ما قامت به يدخل في إطار "الهبل الوطني"، وأنها لم تدرك حساسية وخطورة ما تقوله. وبرأيه، لم يكن الهدف من الفيديو التعبير عن موقف حقيقي أو إنساني، بل إثارة الضجة وصناعة "تريند" بأي ثمن.
حرب أهلية على مواقع التواصل؟
من جهة أخرى، توقف الحوار عند تغريدة الفنانة اللبنانية سيرين عبد النور التي تحدثت فيها عن وجود "حرب أهلية" على مواقع التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى الانقسام الحاد بين اللبنانيين.
بدوره، لم ينكر جهاد أيوب وجود هذا الانقسام، لكنه رأى أن مواقع التواصل تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات والتخوين والتشفي، وأن اللبنانيين باتوا يهاجمون بعضهم البعض أكثر مما يواجهون عدوهم الحقيقي.
اليسا.. أغنيات جميلة ومواقف مثيرة للجدل
أما الفنانة إليسا، فكانت من بين الأسماء التي أثارت جدلاً كبيراً خلال الحلقة. فقد أكد الناقد جهاد أيوب أنه يحب أغانيها ويعترف بموهبتها، لكنه يرى أن مواقفها السياسية لا تمثل الوطن كله، بل تعبر عن فئة أو شريحة محددة.
وقال إن المشكلة ليست في أن يكون للفنان رأي سياسي، فهذا حق طبيعي، بل في أن يتحدث وكأنه يختصر الوطن كله أو يحتكر الحقيقة.
راغب علامة وجاد شويري.. عودة الى الهوية الوطنية
في المقابل، لم تخلُ الحلقة من الإشادة ببعض المواقف التي رأى فيها أيوب تعبيراً واضحاً عن الانتماء الوطني، حيث أثنى على تغريدة الفنان اللبناني راغب علامة التي أدان فيها العدوان الإسرائيلي، معتبراً أنها كانت مباشرة وواضحة وتحمل موقفاً إنسانياً ووطنياً لا لبس فيه.
كما توقف جهاد أيوب عند موقف الفنان اللبناني جاد شويري الأخير، والذي أعلن فيه بشكل صريح دعمه للمقاومة في الجنوب.
وصف أيوب هذا الموقف بأنه "اكتشاف متأخر للهوية الوطنية"، معتبراً أن شويري عاد أخيراً إلى موقع أكثر انسجاماً مع وجدان الناس ومع ما يعيشه الجنوب اللبناني.
صباح وفيروز.. حين كان الفنان وطنًا
ومن السياسة إلى الذاكرة، استعاد جهاد أيوب زمن الفنانين الكبار، متوقفاً بشكل خاص عند الراحلة الشحرورة صباح، التي وصفها بأنها كانت "وطناً شاملاً"، لافتا إلى ان صباح، ورغم نجوميتها الكبيرة، لم تكن يوماً شخصية استفزازية أو تقسيمية، ولم تتطاول على أحد أو تدخل في صراعات تسيء إلى صورتها أو إلى الناس.
كما تحدث عن السيدة فيروز بوصفها نموذجاً للفنان الذي يعلو فوق الانقسامات، ويصبح جزءاً من هوية الناس وذاكرتهم الجماعية. وبرأيه، فإن الفنان الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجمع الناس حوله، لا أن يحول نفسه إلى أداة في الصراع الطائفي أو السياسي.
من هنا، رأى جهاد أيوب أن الجيل الحالي من الفنانين يفتقد أحياناً إلى هذه الرمزية، لأنه منشغل أكثر بالمواقف السريعة، والتفاعل اللحظي، واللهاث خلف الترند، بدل بناء صورة فنية ووطنية طويلة الأمد.
فضل شاكر.. هل يكفي الاعتذار؟
وفي المحور الأخير، تناول الناقد الفني جهاد أيوب قضية الفنان فضل شاكر، وهي من أكثر القضايا حساسية في الوسط الفني اللبناني، مؤكدا أن فضل ارتكب خطأً كبيراً بحق الجيش اللبناني وبحق لبنان، وأن هذا الخطأ لا يمكن تجاهله أو التعامل معه بخفة. لكنه في الوقت نفسه رأى أن الاعتذار الصادق يمكن أن يفتح الباب أمام المصالحة.
وقال أيوب إن "الاعتذار بطولة"، وإن على فضل شاكر، إذا أراد العودة فعلاً، أن يخرج إلى الناس بكلام واضح وصريح، يعترف فيه بما فعله، ويطلب الصفح من اللبنانيين.
وبرأي أيوب، فإن الجمهور قد يغفر، لكن بشرط أن يشعر بأن الاعتذار حقيقي، لا مجرد محاولة للعودة إلى الساحة الفنية.
أصوات "شاخت" قبل أوانها
بعيداً عن السياسة، لم يفوّت الناقد الفني جهاد أيوب الفرصة لتقديم بعض الملاحظات الفنية البحتة، فتحدث عن عدد من الفنانات مثل الفنانة اللبنانية نجوى كرم والسيدة ماجدة الرومي والفنانة الإماراتية أحلام وغيرهن، معتبراً أن أصواتهن بدأت تتعب وتفقد بعض بريقها بسبب الإرهاق وعدم الاهتمام الكافي بالتدريب الصوتي.
وقال إن الفنان، مهما كانت موهبته كبيرة، يحتاج إلى متابعة تقنية دائمة، لأن الصوت مثل أي آلة يحتاج إلى صيانة وتدريب.
وأضاف أيوب أن بعض النجوم يتعاملون مع أصواتهم وكأنها ستبقى كما هي إلى الأبد، بينما الحقيقة أن الإهمال والتعب قد يجعلان الصوت "يشيخ" قبل أوانه.
بين الفن والموقف
في النهاية، لم تكن الحلقة مجرد حديث عن فنانين وتصريحات، بل كانت محاولة لطرح سؤال أكبر: ماذا نريد من الفنان في زمن الحرب؟ هل نريده أن يغني فقط؟ أن يلتزم الصمت؟ أن يكرر ما يريده جمهوره؟ أم أن عليه أن يكون شاهداً، وأن يمتلك الجرأة لقول ما يراه صحيحاً؟
جهاد أيوب كان واضحاً في جوابه: الفنان الذي يتخلى عن وطنه أو يهرب من مسؤوليته، يسقط مهما كانت شهرته كبيرة؛ أما الفنان الذي يبقى إلى جانب الناس، ويحافظ على كرامته وموقفه، فهو وحده الذي يستحق أن يبقى في الذاكرة.