رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد صباح اليوم الثلاثاء 21 أبريل/نيسان 2026، بعد أسابيع قضتها على سرير المرض لتخسر الدراما الخليجية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيرًا.
فعلى امتداد أكثر من ستة عقود، لم يكن اسمها مجرد حضور ثابت على شارات المسلسلات، بل تحوّل إلى جزء من الذاكرة الثقافية والاجتماعية في الكويت والخليج، وإلى صورة للمرأة القوية التي واجهت الحياة والفن بالصلابة نفسها.

من طفولة قاسية إلى شخصية لا تعرف الانكسار
وُلدت حياة أحمد يوسف الفهد في 18 أبريل/نيسان 1948 في منطقة الشرق بالعاصمة الكويتية، قبل أن تنتقل عائلتها إلى منطقة المرقاب بعد وفاة والدها وهي في الخامسة من عمرها.
شكّلت تلك الخسارة المبكرة نقطة تحوّل في حياتها، إذ دفعتها منذ طفولتها إلى تحمّل المسؤولية والاعتماد على الذات. لم تتمكن من استكمال تعليمها الابتدائي، لكنها عوّضت ذلك بإصرار استثنائي، فتعلّمت القراءة والكتابة بنفسها، وأتقنت العربية والإنجليزية، وارتبطت مبكرًا بالكلمة، سواء عبر القراءة أو الكتابة أو لاحقًا من خلال الإذاعة والتأليف.
هذه التجربة الصعبة انعكست بوضوح على اختياراتها الفنية، فغالبًا ما قدّمت شخصيات المرأة المكافحة والأم التي تواجه الحياة بقوة، وهي صورة أصبحت جزءًا أساسيًا من هويتها على الشاشة.
من التمريض إلى الفن.. صدفة غيّرت كل شيء
قبل دخولها عالم الفن، عملت حياة الفهد ممرضة في أحد المستشفيات. وهناك بدأت الحكاية، بعدما لفتت موهبتها انتباه الفنان الراحل أبو جسوم، الذي رأى فيها حضورًا مختلفًا وشجعها على خوض التجربة الفنية.
لم تكن تخطط لأن تصبح ممثلة، لكن الفرصة التي جاءت بالصدفة تحولت سريعًا إلى مشروع عمر. وفي عام 1963 وقفت للمرة الأولى على خشبة المسرح من خلال مسرحية "الضحية"، بعدما اكتشفت شغفها بالفن إثر مشاهدة فيلم سينمائي في سنواتها الأولى.
كان المسرح في تلك المرحلة اختبارًا حقيقيًا، لكنه كشف عن موهبة استثنائية وقدرة على التواصل المباشر مع الجمهور، ما فتح أمامها الطريق نحو التلفزيون في وقت كانت فيه الدراما الكويتية لا تزال في بداياتها.
الانطلاقة التلفزيونية وبناء اسم لا يُنسى
في عام 1964 ظهرت حياة الفهد لأول مرة على شاشة التلفزيون من خلال مسلسل "عائلة بو جسوم"، وهو العمل الذي منحها أول أجر فني، وشكّل بداية مسيرة طويلة تحولت خلالها إلى واحدة من أعمدة الدراما الخليجية.
ومنذ سنواتها الأولى، أدركت أن التلفزيون ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل مساحة لطرح قضايا المجتمع والأسرة والمرأة. لذلك اختارت أدوارًا قريبة من الناس، تتناول التحولات الاجتماعية وتفاصيل الحياة اليومية.
وبين عامي 1965 و1968، عملت مذيعة في إذاعة الكويت، وقدّمت عددًا من البرامج والأعمال الدرامية الإذاعية. وأسهمت هذه التجربة في صقل صوتها وأدائها، ومنحتها قدرة أكبر على التحكم بالإيقاع والانفعال، وهو ما بدا واضحًا لاحقًا في أعمالها التلفزيونية.
حياة الفهد.. من نجمة إلى أيقونة خليجية
مع مرور السنوات، تجاوزت حياة الفهد حدود النجومية التقليدية، لتصبح واحدة من أهم الأسماء في تاريخ الدراما الخليجية.
في مسلسل "خالتي قماشة" عام 1983، قدّمت واحدة من أشهر الشخصيات النسائية في الخليج، من خلال دور الأم التي تراقب أبناءها داخل المنزل، في عمل جمع بين الكوميديا والنقد الاجتماعي.
كما شكّلت مع الفنانة سعاد عبد الله ثنائيًا استثنائيًا في "رقية وسبيكة"، وهو العمل الذي رسّخ مكانتها كنجمة للكوميديا الاجتماعية الذكية.
وتنوّعت أعمالها بين الكوميديا والدراما والأعمال التراثية، فشاركت في أعمال مثل "عائلة فوق تنور ساخن"، و"حبر العيون"، و"مع حصة قلم"، و"سنوات الجريش"، و"أسد الجزيرة".
أما مسلسل "أم هارون" الذي عُرض عام 2020، فكان من أكثر أعمالها إثارة للجدل، بعدما فتح نقاشًا واسعًا حول التعايش والذاكرة الاجتماعية في الخليج.
حضور لافت على المسرح والسينما
لم يقتصر نجاح حياة الفهد على التلفزيون، بل امتد إلى المسرح، حيث قدّمت أعمالًا حملت أبعادًا سياسية واجتماعية واضحة.
ومن أبرز أعمالها المسرحية "صح النوم يا عرب"، التي جسّدت فيها شخصية "قرنفل"، المرأة التي تواجه الفساد والجمود بالذكاء والإصرار.
أما في السينما، فرغم محدودية مشاركاتها، تركت أثرًا كبيرًا، خاصة في فيلم "بس يا بحر"، الذي أدّت فيه شخصية "أم مساعد"، الأم التي تواجه فقدان ابنها وقسوة الحياة في زمن الغوص قبل النفط.
ويُنظر إلى هذا الدور بوصفه أحد أقوى الأدوار النسائية في تاريخ السينما الخليجية.
كاتبة وشاعرة إلى جانب التمثيل
إلى جانب التمثيل، خاضت حياة الفهد تجربة الكتابة والتأليف، ووقّعت عددًا من الأعمال التلفزيونية، من بينها "الدردور" و"الداية".
كما أصدرت ديوانًا شعريًا بعنوان "عتاب"، في خطوة أكدت أن علاقتها بالفن لم تقتصر على الأداء أمام الكاميرا، بل امتدت إلى الكلمة والفكرة.
جوائز كرّست مكانتها الفنية
حصدت حياة الفهد خلال مسيرتها عشرات الجوائز والتكريمات في الكويت والعالم العربي، من أبرزها:
شهادة تقدير من مهرجان القاهرة للإذاعة عام 1996 عن "الطير والعاصفة".
شهادة تقدير ثانية من المهرجان نفسه عام 1998 عن "بيت الوالد".
تكريم من جامعة الدول العربية خلال مهرجان الرواد العرب الأول عام 1999.
جائزة الدولة التشجيعية عن "الدردور" عام 2001.
جائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عن "ثمن عمري" عام 2002.
تكريم في مهرجان عمّون للمسرح في الأردن عام 2002.
تكريم مهرجان الإعلام العربي في مصر عام 2007.
جائزة أفضل ممثلة عن "الفرية" ضمن جائزة فهد الأحمد عام 2007.
جائزة الدولة التقديرية في الكويت عام 2008.
الجائزة الذهبية للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني في مهرجان الخليج عام 2008.
سلسلة من التكريمات في الإمارات والأردن والجزائر عام 2009.
تكريم من جمعية بيادر السلام النسائية في الكويت عام 2011.
أوسكار الإبداع الدرامي عام 2018.
جائزة Joy Awards الفخرية عام 2023.
آخر ظهور درامي قبل الرحيل
رغم تقدّمها في السن وتراجع وضعها الصحي، لم تغب حياة الفهد عن الساحة الفنية. وكان آخر حضور لها من خلال مسلسل "أفكار أمي" الذي عُرض في رمضان 2025.
وقدّمت في العمل شخصية "شاهة"، المرأة التي تدير العائلة بصرامة وتتحكم بتفاصيل حياتها، في دور أعاد إلى الأذهان الشخصيات القوية التي عُرفت بها طوال مسيرتها.
وشكّل المسلسل عودتها بعد غيابها عن موسم رمضان 2024 بسبب ظروفها الصحية، مؤكدة مجددًا أنها ما زالت قادرة على فرض حضورها حتى في أصعب الظروف.
حياتها الخاصة.. زيجتان ولقب أحبّته
تزوجت حياة الفهد مرتين. الأولى من الطبيب العراقي قصي الجلبي، وأنجبت منه ابنتها سوزان، التي كانت تحب أن تُعرف بلقب "أم سوزان" نسبة إليها.
أما زواجها الثاني فكان من الفنان ومدير الإنتاج اللبناني محمود حمدي. ورغم ارتباطها مرتين، بقي الفن هو المحور الأساسي في حياتها، فيما حرصت دائمًا على إبقاء تفاصيل حياتها الخاصة بعيدة عن الإعلام.
المرض الأخير ونهاية الرحلة
في أغسطس/آب 2025، تعرّضت حياة الفهد لأزمة صحية مفاجئة بعد إصابتها بجلطة دماغية، دخلت على إثرها العناية المركزة.
وفي ذلك الوقت، أكد مدير أعمالها يوسف الغيث أن حالتها مستقرة، فيما نفى الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني الشائعات التي تحدثت عن تدهور خطير في وضعها الصحي.
لكن حالتها استمرت في التراجع خلال الأشهر التالية، ما دفعها إلى السفر للعلاج في لندن، حيث أمضت نحو خمسة أشهر.
وبعد عودتها إلى الكويت، تدهورت حالتها أكثر بسبب مضاعفات الجلطة الدماغية التي أثّرت على قدرتها على الحركة والكلام، قبل أن ترحل صباح الثلاثاء 21 أبريل/نيسان 2026.
برحيل حياة الفهد، تطوى صفحة واحدة من أهم الصفحات في تاريخ الدراما الخليجية، لكن أعمالها ستبقى حاضرة في ذاكرة الجمهور، بوصفها الفنانة التي لم تكن مجرد ممثلة، بل جزءًا من وجدان الخليج وحكايته.