بحرية" لشيرين وحماقي: عندما يجتمع العباقرة لتقديم "نكتة موسيقية" سريعة على عجل الطرقات!
لطالما كان لقاء القمم في عالم الغناء العربي يثير في النفوس حالة من التأهب الفني؛ ننتظر زلزالاً يضرب الوجدان، أو صرخة طرب تسكن الذاكرة لسنوات. لكن عندما قرر الثلاثي :شيرين عبدالوهاب، ومحمد حماقي، والملحن والشاعر عزيز الشافعي الاجتماع في دويتو "بحرية"، فاجأوا الجميع بخلع عباءة الوقار الموسيقي، وتقديم أغنية كان الأصح لو سُميت "الشاي على النار يا ولا"، نظراً لتكرار هذه اللازمة طوال العمل كإيقاع استهلاكي لا يتوقف!

الشافعي يستفرد بشيرين
تأتي هذه الأغنية لتعيد شيرين إلى عالم الثنائيات بعد غياب طويل زاد عن سبع سنوات، وتحديداً منذ دويتو "كل ما أغني" الذي قدمته مع حسام حبيب. كما أنها تكرس "استفراد" عزيز الشافعي بصوت شيرين منذ عودتها الأخيرة إلى الساحة، ليرصّع سجلها بثالث تعاون على التوالي بعد "تباعاً تباعاً" و"حضن الشوك".
كلمات مراهقين لا تليق بقامات تهز المسارح
"بحرية" هي أغنية فرفوشة، خفيفة، وهنة، تكاد تصح كأغنية للمراهقين في رحلة مدرسية، دون أي عمق أو معنى يلامس الغور الإنساني. الكلمات تدور في فلك "تريقة" وخفة دم تقال بطريقة كوميدية مازحة:
"بحريه الڤرنده بحريه البحريه..
هتيجي امتى ونشرب انا وانت الشاي في العصريه..
من ماما ماتخفش من ماما دي عشريه بتموت فيا..
مع بابا كالمك مع بابا نمرته اهيا"
هذا الجو "العائلي الكوميدي" المشحون بالنكات السريعة، يبدو غريباً على حنجرتين بقيمة وقامة شيرين وحماقي. الأصح والأجدر عندما يجتمع هذان الصوتان الفخمان أن ينفجرا بعمل كبير، فيه نفحة رصينة، لحن يزلزل الروح، وكلمة تعلو لتسقط القلوب شجناً وطرباً. لكن عزيز الشافعي فضّل هنا أن يجرّهما إلى منطقته الخاصة بالسهل الممتنع ،الذي مال هنا إلى السطحية مستغلاً حاجة السوق لجرعات "الفرح" السريعة.
أغنية لـ "زمامير السيارات" لا للمسارح الطربية
لا يمكن إنكار أن الأغنية تمتلك لحناً رشيقاً، راقصاً، وإيقاعاً "مقسوماً" يسهل حفظه وتكراره، لكنه لحن لا يسمو مطلقاً لصوت شيرين الدافيء المليء بالشجن، ولا لصوت حماقي الرخيم والمتمكن.
إنها أغنية تعبر على عجل الطرقات، وتتداخل مع زمامير السيارات في زحمة السير، تفرحك للحظات لكنها لا تطربك أبداً. اجتمع فيها ثلاثة عباقرة في مجالاتهم، لكنهم اتفقوا—عن عمد أو غير عمد—على ألا يظهروا من عبقريتهم سوى لحظة كوميدية عابرة، تقطع الوقت والتفكير، دون أن تركن أو تسكن في وجدان المستمع.
خلفية الأغنية والصدى الموسيقي
في كواليس هذا التعاون، يبدو أن المخطط كان الخروج تماماً من "سوداوية" الصراعات الشخصية التي عاشتها شيرين مؤخراً، والذهاب نحو "تنفيس" كوميدي بمشاركة صديق رحلتها حماقي. لكن النقد الحقيقي يكمن في أن الجماهير لا تريد من شيرين أن تكون "حكواتية خطيبة" تبدد طاقة صوتها في استئذان "ماما وبابا" عبر الهاتف!
بينما حماقي، المعروف بذكائه الشديد في اختيار ألحانه، بدا هنا وكأنه مجرد "ضيف شرف" يجامل شيرين في عودتها، دون أن يضيف العمل لرصيدهما المشترك شيئاً يُذكر سوى تصدر "التريند" المؤقت. "بحرية" ستعيش موسمها الصيفي وتتبخر، ويبقى الجمهور متعطشاً للدويتو الحقيقي الذي يليق بزمن العمالقة.