أمام أداء نيكول كيدمان، تنسى من تكون.
تنسى أنها تلك الشقراء الطويلة، الناعمة، الرصينة، ذات الحضور الأرستقراطي الهادئ. تنسى جمالها، قامتها الفارعة، وحتى صورتها التي حفظتها الشاشة على مدى عقود. فجأة لا تعود ترى نيكول كيدمان؛ ترى المرأة التي اختارت أن تسكنها.وهنا تكمن خطورتها.
كيدمان تؤدي شخصياتها وتتماهى معها وكأنها تتخلى عن شيء منها في كل مرة، لتولد امرأة أخرى. امرأة قد تخافها، أو تشفق عليها، أو تنفر منها، أو تجد نفسك، على نحو غريب، متعاطفاً معها. انك تبحث عن نيكول كيدمان في الدور الذي تؤديه ولن تجدها. تغيب كليا تصبح مستترة خلف الوجه والصوت الذي تبدله او تبعده وتأتي بصوت أخر لا نعرف من أين. انها اكثر من ممثلة إنها متقمصة مبدعة وخطيرة.
ثلاث نساء تكفي لقراءة هذا السحر.
غرير غاريسون وينبوري.. البرودة التي تخفي النار

في "The Perfect Couple"، تصبح كيدمان غرير غاريسون وينبوري، الروائية الثرية وسيدة العائلة التي تبدو وكأنها صنعت حياتها من الرخام: باردة، متحكمة، أنيقة، ولا تسمح لشيء بأن يفسد الصورة المثالية التي بنتها حول عائلتها.
لكن لا تكتفي كيدمان بتقديم امرأة متعالية وباردة لكنها تضع تحت برودتها طبقات من الخوف، والسرية، والرغبة في السيطرة. نظرة واحدة منها قد تقول أكثر مما تقوله صفحة كاملة من الحوار. عيون قادرة ان تكسر الشاشة وتصل اليك كمخرز تنخر فيك وتقول بصمت عبارات لا تعرف معناها الافي نظرتها الحادة.
إنها مخيفة حين تنظر إلى الكاميرا. تشعر للحظة أنها لا تنظر إلى الشخصية المقابلة لها، بل إليك أنت. كأن الشاشة لم تعد حاجزاً بينها وبين المشاهد.
غرير امرأة صوانية من الخارج، لكنها تذوب من الداخل. وهذه المسافة بين القسوة والهشاشة هي المساحة التي تتقن كيدمان اللعب فيها.
سيليست رايت.. الجمال سجنا

ثم جاءت " Big Little Lies" لتفتح باباً آخر في مسيرة كيدمان.
تؤدي دور "سيليست" امرأة تبدو وكأنها تملك كل شيء: الجمال، المال، الزوج المثالي، المنزل المثالي، والأطفال. لكن خلف تلك الصورة المصقولة تختبئ امرأة تعيش الخوف والألم والعنف.
هنا تصبح موهبة كيدمان أكثر قسوة.
لا تحتاج إلى الصراخ كي تقول إنها منهارة. أحياناً يكفي ارتجاف صغير في وجهها، أو نظرة تهرب من عين زوجها، أو لحظة صمت طويلة.او بحة عميقة في أنفاسها لتدرك انها تختنق.
لقد كان هذا الدور محطة مفصلية في مسيرتها التلفزيونية، وحصدت عنه جائزتي إيمي، كما أعاد تكريس حضورها على الشاشة الصغيرة.

إيرين بيل.. هنا تختفي نيكول كيدمان تماماً
لكن إذا كان علينا اختيار الدور الذي يثبت أن كيدمان قادرة على قتل صورتها الجميلة من أجل الفن، فهو" Destroyer".
هنا لا نرى الشقراء الساحرة.نرى امرأة مكسورة.

شرطية تحمل على وجهها آثار سنوات من الألم والخسارة والانهيار. مظهرها القاسي، شعرها المبعثر وملامحها المنهكة ليست مجرد تحول خارجي؛ إنها محاولة لجعل الجسد نفسه يحمل تاريخ الشخصية. وقد أشادت الصحافة آنذاك بقدرتها على تقديم شخصية شديدة القسوة والانكسار، فيما ترشحت عن الدور لجائزة غولدن غلوب.
في هذا الدور بلغت كيدمان ذروة لعبتها.وأجادت حد الضياع عن حقيقتها وأناقتها وباتت هي الوجع والدمع والضعف.
مع كيدمان لا تقول ما اجمل اداءها بل تسأل اين هي أساسا. انها تختفي وتضيع وتنسى انك امام ممثلة بل امام شخصية نسجتها بصوتها وحركاتها ونظرتها.

في كل مرة تدخل فيها إلى شخصية، تترك نيكول عند الباب.ثم تدخل وحدها.
امرأة أخرى .حياة أخرى.وجرح آخر.وموهبة تتفتح طازجة في كل مرة.