TRENDING
كلاسيكيات

في ذكرى رحيله السادسة.. محمود ياسين من طفولته وبداياته الفنية إلى أسرار علاقته بالشهرة

في ذكرى رحيله السادسة.. محمود ياسين من طفولته وبداياته الفنية إلى أسرار علاقته بالشهرة

في الذكرى السادسة لرحيل الفنان المصري محمود ياسين، التي تصادف اليوم 14 أكتوبر، نستعيد حواراً قديماً أجراه مع الكاتبة ندى بديع سربية في مجلة «الموعد»، كشف فيه جوانب من حياته الشخصية، وتحدث عن طفولته في بورسعيد، وبدايات شغفه بالتمثيل، وكيف انتقل من خشبة المسرح إلى السينما، وصولاً إلى النجومية التي لم يرَ فيها مبرراً للتخلي عن أصدقائه أو التنازل عن مبادئه.

طفولة بين ثلاث مدارس وبدايات دراسية مرتبكة

لم تكن طفولة محمود ياسين صعبة بالمعنى التقليدي، لكنها لم تكن طبيعية تماماً، خصوصاً على المستوى الدراسي. فقد دخل المدرسة في بورسعيد وهو في الخامسة من عمره، في مدرسة «النيل» التي كان يدرس فيها إخوته الأكبر سناً، رغم أنها لم تكن تضم صفوفاً تناسب عمره.

وبعد انتقاله إلى مدرسة أخرى، وجد نفسه بين طلاب تتراوح أعمارهم بين الثامنة والتاسعة، ما زاد صعوبة استيعابه للدروس التي لم تكن تتناسب مع سنه. واضطر والده في النهاية إلى نقله إلى مدرسة ثالثة، ليجد نفسه قد تنقّل بين ثلاث مدارس في سنواته الأولى.

واستعاد الفنان الراحل تلك المرحلة قائلاً إن خطواته الأولى في التعليم كانت مرتبكة، لأنه لم يتدرّج في الدراسة بصورة طبيعية، ولم يفهم آنذاك أسباب انتقاله من صف إلى آخر، أو من مدرسة إلى غيرها. ولم يشعر بأن مسيرته الدراسية بدأت تستقر إلا بعد حصوله على الشهادة الإعدادية.

بورسعيد.. مدينة الطفولة والذكريات

عاش محمود ياسين طفولته في بورسعيد وسط عائلته الكبيرة، إذ كان السادس بين عشرة إخوة. وكان والده موظفاً في هيئة قناة السويس، وهي وظيفة أتاحت للأسرة مستوى معيشياً مستقراً نسبياً، إلى جانب ما كانت الهيئة تقدمه من مخصصات مرتبطة بأبناء الموظفين وتعليمهم.

ومن ذكرياته الطريفة مع والده أنه كان يطلب منه إحضار إفادة من المدرسة تثبت انتظامه فيها لمدة ثلاثة أشهر، ليستفيد من المبلغ الإضافي الذي كانت الهيئة تدفعه لتغطية نفقات تعليم الأبناء.

ووصف ياسين بورسعيد بأنها مدينة هادئة وبسيطة، تتدفق عليها خيرات البحر، وتتميز بسهولة التنقل فيها سيراً على الأقدام، بعيداً عن متاعب المواصلات التي تعرفها المدن الكبيرة. كما استعاد طبيعتها المتنوعة التي جمعت بين المصريين والأجانب، وبين حي العرب وحي الإفرنج.

أما أسرته، فوصفها بأنها متوسطة الحال، لا تعيش الترف ولا تعاني الفقر المدقع، مشيراً إلى أن الانضباط والقيم الدينية كانا حاضرين بقوة في حياتهم اليومية، من الالتزام بمواعيد الطعام والنوم إلى المواظبة على الصلاة.

وأكد أن تمسكه بالقيم الدينية استمر معه حتى سنواته الأخيرة، معتبراً أن الإنسان يحتاج إلى أساس يبني عليه أخلاقه وسلوكه وعلاقاته بالآخرين، وأنه كان حريصاً على غرس الإيمان في نفوس أبنائه، إلى جانب تقديم فهم عصري ومتطور للدين.

من مشاهدة الأفلام إلى الوقوف على خشبة المسرح

بدأ شغف محمود ياسين بالتمثيل في طفولته، بعدما كان يصطحبه أحد إخوته الأكبر سناً لمشاهدة الأفلام السينمائية. هناك، اكتشف رغبته في تقليد الممثلين والتعبير عن نفسه من خلال الأداء.

وسرعان ما تحولت هذه الرغبة إلى تجربة عملية، إذ شارك في حفلات السمر التي كانت تنظمها فرقة الكشافة في المدرسة، مقدماً مع زملائه مشاهد تمثيلية ومسرحيات متنوعة. ومع ازدياد تعلقه بالفن، أسس فريقاً للتمثيل في المدرسة الإعدادية.

وفي المرحلة الثانوية، جمعته الهواية نفسها بالمخرج المسرحي سمير العصفوري، فشكّلا فرقة تمثيلية مدرسية وقدّما عدداً من المسرحيات على خشبة المدرسة.

وبعد تخرج العصفوري وانتقاله إلى الجامعة، واصل ياسين تقديم المسرحيات، مستعيناً بمخرجين، إلى أن أنهى دراسته الثانوية وقرر الالتحاق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، مدفوعاً برغبته في الاقتراب من المسارح الكبيرة التي طالما سمع عنها وقرأ حولها.

وكانت أفلام يوسف وهبي من أبرز الأعمال التي تركت أثراً في نفسه خلال تلك المرحلة، لما تميزت به من أحداث وشخصيات جذبت اهتمامه.

كذبة صغيرة قادته إلى المسرح القومي

لم يكن دخول محمود ياسين عالم الاحتراف وليد المصادفة وحدها، بل احتاج أيضاً إلى جرأة ومغامرة. ففي السنة الجامعية الثالثة، قرأ إعلاناً عن امتحان لاختيار ممثلين جدد للمسرح القومي، وكان من شروط التقدم أن يكون المرشح من خريجي الجامعات.

لكن ياسين لم يكن قد أنهى دراسته بعد، إذ كانت لا تزال أمامه سنة جامعية رابعة. فقرر إخفاء هذه الحقيقة عن لجنة الامتحان، مدعياً أنه تخرج بالفعل.

ونجحت الحيلة، فعُيّن ممثلاً في المسرح القومي في أكتوبر/تشرين الأول 1963، وشارك في مسرحية «الندم» من إخراج سعد أردش، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في مسيرته الفنية.

لم يحلم بالسينما.. بل كان المسرح وجهته الأولى

على الرغم من المكانة التي احتلها لاحقاً في السينما المصرية، لم يكن محمود ياسين يتخيل نفسه نجماً سينمائياً في بداياته. كان حلمه الأساسي أن يصبح ممثلاً مسرحياً كبيراً، على غرار الفنان صلاح سرحان الذي كان يكنّ له إعجاباً خاصاً.

وفي حواره مع مجلة «الموعد»، أوضح أن تصوره آنذاك للنجم السينمائي كان يرتبط بمواصفات شكلية واجتماعية لم يكن يعتقد أنها تنطبق عليه، ولذلك لم تكن السينما ضمن طموحاته الأولى.

لكن المخرج حسين كمال غيّر مسار الحكاية، بعدما شاهده يؤدي شخصية الراوي في مسرحية «سليمان الحلبي»، فرشحه لدور صغير في فيلم «شيء من الخوف»، قبل أن يسند إليه لاحقاً دور البطولة في فيلم «نحن لا نزرع الشوك».

واعترف ياسين بأنه رفض في البداية فكرة التحول إلى ممثل سينمائي، موضحاً أن رفضه كان نابعاً من خوفه من أن ترفضه السينما، ففضّل أن يكون هو صاحب قرار الابتعاد عنها.

غير أن نظرته تغيرت مع الوقت، بعدما أدرك أن النجم السينمائي لا يحتاج بالضرورة إلى مواصفات شكلية محددة، وأن الشاشة بدأت تحتفي بشخصيات تشبه الناس العاديين في بيوتهم وشوارعهم ومقاهيهم.

الشهرة لم تغيّره.. لكنها فرضت عليه قيوداً

لم يُخفِ محمود ياسين سعادته بالشهرة، بل اعترف بأنها كانت تمنحه شعوراً بالرضا عندما يتعرف إليه الناس وينادونه باسمه. لكنه أشار في المقابل إلى أن النجومية فرضت عليه قيوداً لم تكن موجودة في حياته السابقة.

فالفنان المعروف، بحسب رؤيته، يتحمل مسؤولية الحفاظ على سلوكه وصورته أمام الجمهور، ويحتاج إلى الابتعاد عن التصرفات التي قد تثير الشائعات أو تسيء إلى مهنته.

وشدد على أن الشهرة لا ينبغي أن تقود صاحبها إلى الغرور أو التعالي، بل يفترض أن تزيده تقديراً لمحبة الناس واحتراماً لهم، وأن يقابل المجاملة بما هو أفضل منها.

أما علاقته بأصدقائه القدامى، فأكد أنها بقيت قائمة على المحبة والوفاء، رغم أن بعضهم ابتعد عنه في البداية خوفاً من أن تكون النجومية قد غيّرته. لكنه رأى أن الذين عادوا واقتربوا منه اكتشفوا أن مخاوفهم لم تكن في محلها، وأنه ظل متمسكاً بصداقاته القديمة.

محمود ياسين.. حكاية فنان لم ينسَ البدايات

تكشف هذه الاعترافات جانباً إنسانياً من شخصية محمود ياسين، بعيداً عن أدواره التي رسخت حضوره في السينما والمسرح والتلفزيون. فمن طفولة لم تكن بداياتها الدراسية سهلة، إلى شغف مبكر بالتمثيل، ثم مغامرة الدخول إلى المسرح القومي، وصولاً إلى نجومية لم تكن ضمن أحلامه الأولى، تبدو رحلته حكاية فنان صنع طريقه بالتجربة والإصرار.

وفي ذكرى رحيله السادسة، يبقى هذا الحوار شهادة على نظرته إلى الفن والأسرة والدين والصداقة، وعلى إيمانه بأن الشهرة، مهما اتسعت، لا ينبغي أن تكون سبباً في التخلي عن الجذور أو التنكر للأشخاص الذين رافقوا الإنسان قبل أن يعرفه الجمهور.


المصدر: حوار محمود ياسين مع الكاتبة ندى بديع سربية، مجلة «الموعد».