TRENDING
تظن أنّك تعرف النهاية ولكن.. Liste de mariage ينهض من شاشة الهاتف ليغيّر قواعد السينما

"Liste de mariage" – تأليف طارق سويد، إخراج رندة علم، وبطولة ريتا حايك وكارلوس عازار – ليس فيلمًا ولا مسلسلًا، هو حلقات قصيرة لمنصة "سين" الجديدة مدّة الحلقة دقيقة ونصف، أعجبت منتجي العمل فارتأوا تحويلها إلى فيلم.


القصّة متوقّعة، النهاية أيضًا، وما بينهما من أحداث، لا مفاجآت باستثناء المفاجأة الكبرى، أنّ عملًا لا مفاجآت فيه يفاجئك بالأثر الذي يتركه عندما تغادر السينما، وهو ما يعوّل عليه صنّاع الأفلام أن تبدأ الأحداث عندما تمرّ شارة الختام، ويروي كل مشاهد النهاية كما يتخيّلها.

لم يكن الكاتب طارق سويد واثقًا من الأثر الذي سيتركه فيلمه، كان حريصًا على التأكيد أنّ ما يقدّمه ليس سينما بالمعنى التقليدي، غير أنّ سينما تخلع عباءة التقليدية هي ما يراهن عليه جمهور اعتاد المنصّات التي جعلت من ارتياد السينما عبئًا.


هل كان " Liste de mariage " يستحق نسف الأساس الذي قام عليه، من جذب جمهور السوشال ميديا بحلقات قصيرة إلى فيلم قوامه خطّ درامي واحد، لا قصّص جانبية، لا أبطال ثانويين، كل العناصر تدور في فلك بطلي العمل ريتا حايك وكارلوس عازار؟

هل خاف صنّاع العمل من ضياع هذا الجهد على جمهور السوشال ميديا الذي يشاهد الحلقات متقطّعة عبر هاتفه، قد يكمل الحلقات وقد تضيع في زحمة المواد البصرية على مواقع التواصل؟

يبدأ الفيلم بلقاء البطلين، في دراما المنصّات القصيرة لا وقت تضيعه على المقدّمات، لا حشو، لا مشهد أُقحم عنوًة لزيادة مدّة الحلقات، لا حوار كُتب في لحظة فقد فيها الكاتب التجلّي فكتب ليكتب لأنّ عليه أن يكتب. في هذه الدراما كل حرف مدروس، كل مشهد هو قطعة بازل، لا قطعة ناقصة ولا قطعة لزوم ما لا يلزم.

كما يبدو من عنوان الفيلم قائمة زواج يضعها عروسان تضمّ هدايا العائلة والأصدقاء، عروسان جمعتهما الصّدفة وقرّرا أن يلعبا لعبة يخدعان بها الجميع، ليتبيّن للجميع أنّهما لم يخدعا سوى بعضهما. غريبان جمعتهما الظروف، من سياق المشهد الأوّل تدرك أنّ أحدهما سيقع في غرام الآخر، لكنّك تفاجىء عندما يغرم أحدهما بالآخر. تدرك سلفًا أنّ النهاية ستكون سعيدة لكنّك تفاجىء بأنّك بتّ أحد المدعوين إلى فرٍح لم يكتمل إلا في مخيلتك.


لا يحتاج بناء الشخصيات إلى مطوّلات، من الجملة الأولى تدرك أن لانا (ريتا حايك) أستاذة الموسيقى امرأة مجنونة، تشبه كل النّساء ولا تشبه إلا نفسها. جرحها حبيبها السّابق فأرادت الانتقام على طريقتها، ردّت الصّاع صاعين.

أما جيمي (كارلوس عازار) فهو شاب لا يقلّ عنها جنونًا، أو هكذا يبدو، بارد في الظاهر، لكنّ بروده يخفي خلفه معاناةً. هو شخصية مربكة، يظهر عكس ما يضمر وفي سياق كشف شخصيته الحقيقيّة تقع كل الأحداث.

سمارة نهرا تحلّق عاليًا، خالة جيمي التي ربّته بعد رحيل والديه، مشاهدها كوميدية درامية تراجيدية تتنقّل بينها بسلاسة الممثلة التي تمتلك أدواتها وتجيد متى وكيف تستخدمها.

في الفيلم شاهدنا تلاميذ طارق سويد الذين شاركوه مسرحيتي "مش مسرحية" و"شي تيك توك شي تيعا"، هي صناعة النجوم عندما تثمر مواهب تستحق أن تكون جزءًا من المشهد الفني، أبدع فيها طارق كما أبدع في الدراما والمسرح والسينما اليوم.

نجحت المخرجة رندة علم في تحويل دراما سريعة إلى فيلم سينما مكتمل العناصر، لقطات رشيقة، إيقاع متماسك.

لم تكتفِ المخرجة بنقل الكادرات من الهاتف إلى السينما، بل أعادت صياغة العفوية لتصبح كادراً سينمائياً احترافياً، مبرهنةً أن الصورة الذكية لا تقاس بحجم الشاشة، بل بحجم الإحساس الذي تسكنه داخل العدسة.


هل يستحق الفيلم هذه المجازفة؟ هل يستحق عملٌ أعدّ ليكون قطع بازل على شاشة هاتًف أن يصبح مكانه شاشة عرض كبرى لا تغفل التفاصيل ولا ترحم الهفوات؟

الفيلم من بدايته إلى نهايته يمرّ سلسًا، لا مطوّلات، لا فجوات، لا أحداث محروقة، لا إيقاع يتسارع ويخفت دون مبرّر، لا شخصيات قادمة من المريخ، ولا أخرى لشدّة ما تشبه المشاهد تصبح رؤيتها على الشاشة مرادفًا للملل، بل دهشة من المشهد الأوّل حتى الأخير، خصوصًا الأخير.

، Liste de mariage ليس مجرد فيلم خرج من أسر الهواتف الذكية والسوشال ميديا، بل هو دعوة لنعيد النظر في حكاياتنا البسيطة. لقد أثبت طارق سويد ورندة علم أن السينما الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى تعقيدات ملحمية، بل إلى صدقٍ يباغتنا في لحظة تخلٍّ. نغادر الصالة والفيلم لم ينتهِ بعد، بل يبدأ في مخيلة كل منا، ليؤكد أن أجمل القوائم هي تلك التي لا تُكتب بالهدايا، بل بالدهشة التي نأخذها معنا إلى البيت.