عاشت الفنانة اللبنانية الراحلة صباح، المعروفة بلقب «الشحرورة»، حياة استثنائية جمعت بين النجاح الفني والشهرة الواسعة ومحبة الجمهور، لكنها واجهت في سنواتها الأخيرة ظروفاً إنسانية صعبة، كشفت جانباً مختلفاً من حياتها بعيداً عن الأضواء والمسارح. وفي حوار أرشيفي مع مجلة «الموعد»، تحدثت صباح بصراحة عن أسباب بيع منزلها في الحازمية، وشعورها بالوحدة، وحرصها على تأمين مستقبل ابنتها هويدا، وصولاً إلى موقفها من فكرة الزواج مجدداً بعد انفصالها عن عمر محيو.
صباح تروي أسباب بيع منزلها في الحازمية
لم يكن قرار صباح بيع منزلها الذي عاشت فيه نحو 40 عاماً سهلاً، فالبيت الذي بنته بجهدها كان جزءاً من ذاكرتها وحياتها، إلا أن الوحدة التي عاشتها داخله دفعتها إلى اتخاذ هذه الخطوة والانتقال للإقامة مع شقيقتها لمياء.
وفي الحوار الذي أجرته معها رئيسة تحرير مجلة «الموعد» مي سربيه، أوضحت صباح أن المنزل، على الرغم من جماله واتساعه، أصبح ثقيلاً عليها بعدما وجدت نفسها وحيدة فيه، خصوصاً بعد مغادرة الخادمة التي رافقتها لأكثر من 30 عاماً.
وأكدت أن قرار البيع لم يكن نتيجة ضائقة مالية بالدرجة الأولى، بل جاء بسبب شعورها بالوحدة ورغبتها في مساعدة أفراد عائلتها، ولا سيما ابنتها هويدا المقيمة في الولايات المتحدة.
واستعادت صباح تفاصيل بناء منزلها، مشيرة إلى أنها شيدته قبل أكثر من أربعة عقود، بعدما حصلت على قرض من يوسف بيدس، صاحب بنك إنترا آنذاك، وتمكنت من تسديد ديونها سريعاً بفضل عملها المتواصل.
ورغم صعوبة مغادرة المكان الذي ارتبط بسنوات طويلة من حياتها، وجدت صباح الراحة في العيش مع شقيقتها وابنتها كلودا، مؤكدة أنها أصبحت أكثر انسجاماً مع حياتها الجديدة.
تراجع الحفلات وغياب الدخل زادا معاناة الشحرورة
لم تقتصر اعترافات صباح على الحديث عن الوحدة، بل تطرقت أيضاً إلى التغيرات التي طرأت على مسيرتها الفنية في سنواتها الأخيرة، حين تراجعت فرص العمل والحفلات مقارنة بما عاشته خلال سنوات مجدها.
وأوضحت أن الحفلات التي كانت تحييها أصبحت قليلة، وأنها شاركت في مسرحيات لم تحصل مقابلها على أجر، في وقت لم تكن تملك فيه شركة إنتاج توفر لها دخلاً ثابتاً.
كما تحدثت عن توجه شركات الإنتاج نحو نجوم الغناء الشباب، معتبرة أن الفنانين من جيلها لم يعودوا يحظون بالاهتمام نفسه، خصوصاً مع تغير الأذواق الموسيقية وتراجع قدرتها على تقديم أعمال جديدة تواكب المرحلة.
وكانت هذه الظروف، إلى جانب شعورها بالوحدة، من العوامل التي جعلتها تعيد النظر في حياتها وتختار الانتقال إلى منزل شقيقتها، حيث وجدت الرفقة التي افتقدتها طويلاً.
لماذا باعت صباح منزلها لمساعدة ابنتها هويدا؟
احتلت ابنتها هويدا مساحة خاصة في حديث صباح، إذ اعترفت بأنها كانت شديدة التعلق بها، وأن خوفها عليها دفعها إلى تخصيص جزء من ثمن المنزل لمساعدتها مادياً.
وأشارت إلى أن ابنها الطبيب كان قد أسس حياته المهنية والعائلية، بينما كانت تشعر بأن ابنتها تحتاج إلى دعم إضافي يضمن لها الاستقرار في المستقبل.
لذلك، لم تنظر صباح إلى بيع منزلها باعتباره مجرد تنازل عن ممتلكات عزيزة عليها، بل رأت فيه وسيلة لتأمين مستقبل ابنتها وتخفيف قلقها عليها.
وكانت هذه الخطوة تعكس جانباً من شخصية الشحرورة بعيداً عن صورتها الفنية المعروفة، إذ ظلت الأمومة حاضرة بقوة في قراراتها، حتى عندما تطلب الأمر التخلي عن منزل ارتبط بأربعة عقود من الذكريات.
ليالٍ من الوحدة وحنين إلى زمن النجومية
في واحدة من أكثر محطات الحوار تأثيراً، تحدثت صباح عن شعورها بالوحدة بعدما خفتت الأضواء من حولها، مستعيدةً الفرق بين حياتها في سنوات الشهرة وبين واقعها في تلك المرحلة.
وقالت إن الهاتف كان يرن باستمرار خلال سنوات مجدها، بينما أصبحت تمر عليها أيام من دون أن تتلقى أي اتصال يُذكر.
كما تحدثت عن الليالي الطويلة التي كانت تستعيد خلالها ذكريات الماضي، وتتذكر أصدقاءها وزملاءها من جيل العمالقة، متسائلةً عن المسافة التي قطعتها حياتها بين زمن كانت فيه محط اهتمام الجميع ومرحلة أصبحت فيها أكثر عزلة.
ورغم هذه المشاعر، أكدت صباح أنها كانت تلجأ إلى الله وتعتمد على نفسها في مواجهة أزماتها، مشيرة إلى أنها كانت تتحدث أحياناً مع ابنة شقيقتها، لكنها اعتادت الاحتفاظ بجزء كبير من أحزانها لنفسها.
موقف صباح من الزواج بعد انفصالها عن عمر محيو
لم يخلُ الحوار من تصريحاتها الصريحة بشأن حياتها العاطفية، إذ سُئلت صباح عما إذا كانت تفكر في الدخول في علاقة جديدة بعد انفصالها عن عمر محيو.
وجاء ردها حاسماً، وكشفت أنها قالت لابنة شقيقتها كلودا مازحةً إنها تضع لها السم في الطعام إذا لاحظت أنها ستقع في الحب أو تفكر في الزواج مجدداً.
وعكست هذه العبارة رغبتها في الابتعاد عن فكرة الارتباط في تلك المرحلة من حياتها، بعد تجارب عاطفية متعددة وحياة شخصية ظلت محط اهتمام الصحافة والجمهور على مدى عقود.
صباح تلخص علاقتها بالشهرة بكلمات مؤثرة
في ختام الحوار، وجهت صباح رسالة إلى جمهورها بعد مسيرة فنية طويلة، اختصرت فيها المفارقة التي عاشتها بين محبة الناس وما رافق الشهرة من أعباء إنسانية.
وقالت: «الشهرة أعطتني أجمل شيء في حياتي وهو محبة الناس، ولكن الشهرة قضت عليّ أيضاً».
وتكشف هذه العبارة جانباً مؤلماً من حياة فنانة صنعت تاريخاً طويلاً في الغناء والتمثيل، وارتبط اسمها بالفرح والحيوية والإطلالات الاستثنائية، لكنها واجهت في سنواتها الأخيرة مشاعر الوحدة والحنين إلى الماضي.
ورحلت صباح في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، عن عمر ناهز 87 عاماً، تاركةً إرثاً فنياً كبيراً وذكريات لا تزال حاضرة في وجدان جمهورها، فيما تعيد هذه الاعترافات الأرشيفية تسليط الضوء على الجانب الإنساني من حياة الشحرورة، بعيداً عن بريق الشهرة والأضواء.