ليس الملوك مجرّد تيجان تلمع وسطوة وسلطة وثروة، بل تحت التيجان ثمّة رؤوس أنهكها التفكير منذ أن أبصرت النور، وحمّلت عبء النّهوض بأمبراطورية، وهي بالكاد قادرة على النهوض بنفسها.
يستعيد مسلسل "الملكة شارلوت" من عالم "بريدجرتون" قصّة حياة الملكة شارلوت، المرأة السمراء التي حكمت بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر، وزوجها الملك جورج الثالث، الذي عانى أمراضاً نفسيّة حادّة، انتهت بإعلان إصابته بالجنون.
ملكة اقتيدت كالجواري
كانت "نتفليكس" قد قدّمت موسمين من Bridgerton، رأينا فيهما الملكة شارلوت وهي تنظّم حفلات كبرى لعلية القوم، يتعارفون فيها بهدف "جمع رأسين بالحلال"، بدا الأمر أشبه بحفلات بيع الرقيق، تظهر الجارية بأجمل حلّة، ليرتفع سعرها في سوق الجواري. تكتشف في الموسم الجديد، الذي يعود على طريقة الفلاش باك إلى حياة الملكة الشابة (إنديا أمارتيفيو)، أنّها هي نفسها اقتيدت كما الجواري إلى قصر الملك، لتتزوّج منه وهي لم تره بعد، رغماً عنها تساق إلى قدرها، فتحاول الهروب بالقفز فوق سور حديقة القصر، هناك تلتقي بالملك جورج الثالث للمرّة الأولى، ويُكتب لها ولبريطانيا قدرٌ جديد.
تُترك العروس وحدها بعد العرس، ورغم صغر سنّها لا تستسلم لقدرها، تلحق بالملك إلى مخبئه لتكتشف أنّ من يحكم الأمبراطورية البريطانية ليس سوى رجلاً يعاني من وساوس تنخر رأسه، من قلّة ثقة بالنفس، ومن عبء مسؤولية رميت على عاتقه منذ ولادته، أكبر من قدرته على التحمّل.
حياة الملوك ليست وردية
يضيء المسلسل على الحياة الشخصيّة للملوك، ورغم تنويه كاتبته شوندا رايمز إلى أنّ العمل ليس توثيقياً بل يجنح في جانبٍ منه إلى الخيال، فإنّ أحداث المسلسل لم تخرج عن تلك التي وردتنا عبر كتب التاريخ، طوّعتها الكاتبة لتجعل الشخصيات من لحم ودم، تحت الملابس البراقة والتيجان اللامعة.
يطلب الملك جورج علاجاً لحالته، يريد أن يحيا مع زوجته حياةً طبيعية، يرفض الأطباء بحجّة أنّ العلاجات التجريبية لا تعطى للملوك، وأنّه قد تتعاقب على حكم بريطانيا أجيال قبل أن يصل العلاج إليهم، يصرّ الملك المريض على تلقّي علاج هو أمله الوحيد، ليس لديه ما يخسره. علاج أشبه بالتعذيب لا يجدي نفعاً، تنقذه شارلوت من هلاك محتّم، لتضعه أمام حقيقة أنّ علاجه الوحيد هو وجوده قربها، يستمد منها السلام الداخلي والقوّة.
كسرت العرف الملكي
تواجه هي نفسها مصيراً مشابهاً عندما تلد ابنها الأوّل، يكون وضع الجنين عكسياً، تحتاج الولادة إلى تدابير خاصّة لا تطبّق على الملكات، لكنّ الملكة تصرّ وتنجب وريث العرش.
تتعايش الملكة مع مرافق يصبح أشبه بظلّها، لا تتمتّع بشيء من الخصوصيّة، حتى في الحديقة التي كانت ملاذها من الوحدة في أسابيع الزواج الأولى حين تركها الملك ورحل، هي عاجزة عن قطف ثمرة برتقال، ثمّة موظف جاهز لينجز “المهمّة” عنها، وعندما تقرّر أنها هي من سيختار الثمرة ومن سيقطفها ومن سيمارس تفاصيل لم تكن لتفكّر بها قبل أن تصبح في مصاف الملوك، تكتشف أنّ من كان يقطف لها البرتقال عيّن خصيصاً لهذا الهدف، وأنّ ممارستها أبسط تفصيل لا يُحسب له حساب أطاح وظيفة الرّجل المسكين.
تنتفض شارلوت على الكثير من التقاليد الملكيّة، تبدأ بتنظيم الحفلات الكبرى التي تكسر حاجز خوف الملك من مجتمعه، يغيب المسلسل عن الكثير من التفاصيل التي تلخص فترة حكم الملك، وكيفية وضع العرش تحت الوصاية بعد إعلان إصابته بالجنون رسمياً.
أصول الملكة شارلوت
اختلف المؤرّخون حول أصول الملكة شارلوت، لكن كان ثمّة إجماع على أنّ إحدى جداتها من أجيال سابقة كانت إفريقية، ورثت شارلوت لونها الداكن عنها، وعندما حضرت من ألمانيا مع شقيقها إلى قصر الملك، لم يشغل بال الملك ولا الحاشية لونها، في محاولة للردّ على مزاعم ميغان ماركل زوجة الأمير هاري، التي أكّدت في مقابلة مع أوبرا وينفري قبل عامين، أنّ العائلة المالكة كانت خائفة من أن يولد للأمير طفل داكن البشرة، هي التي ولدت لأم من أصول إفريقية وورثت عنها لونها.
جاء المسلسل ليقول إنّ العائلة المالكة لم تمانع زواج ابنها من امرأة ملوّنة، وإنّ هذه الأخيرة رفعت الظّلم عن أبناء عرقها في المملكة، وحطّمت القيود التي كانت تمنعهم من الاختلاط بعلية القوم وأعادت توزيع الألقاب الأرستقراطية عليهم، وأنّ عرقها ولونها لم يشغل الأوساط البريطانية، كان يشغلها فقط مرض الملك.
6 حلقات لمسلسل يعرض منذ أشهر تطيب العودة إليه.
يلخّص حقبة كاملة في تاريخ الأمبراطورية البريطانية، هو ليس مسلسلاً تاريخياً توثيقياً، بل هو عمل رومانسي، يأتي استكمالاً لنجاحات "بريدجرتون" الذي نجح في أن يتربّع على عرش المسلسلات الأكثر مشاهدةً في تاريخ "نتفليكس"، ميزته النجاح التّصاعدي في كل جزء جديد، وأنّك كلّ ما توقّعت أنّ هذه السلسلة قالت كل ما لديها، تفاجئك بأنّ ثمّة الكثير بعد.