صدمة الكلام لا عفويته
عندما تسمع فارس كرم مع نيشان، تجد أنك تحتاج إلى وقت كي تشفى من كلامه. كلام يطرق على الأسماع بمطرقة ثقيلة، ومضمون يهزّ الدواخل، ولا يصحّ به أن يُقال علنًا. كلام لا يصلح حتى أن يكون سرًّا. كلام قائله يحتاج إلى مساعدة، ولثقله لا يمكن تبريره.
تصريحات خطيرة وحدود مكسورة
زيادة جرعات المورفين ورفع المسدس لإنهاء حياة والده بهدف إنهاء أوجاعه من السرطان، تصريح خطير، والفكر الذي يحمله أخطر. هذا السرد العلني المباشر يضع المستمع أمام صدمة لا تأمّل.
فارس كرم عن مرض والده بالسرطان: كنت قويلوا المورفين لإقـ ـتله ومرة حطيتله الفرد براسه
— AL Jadeed Tv (@AlJadeed_TV) January 6, 2026
#neshanxfareskaram
تابعوا الحلقة الكاملة : https://t.co/N007K2ksI8 pic.twitter.com/Hp17hsP28j
غياب كان أكرم من الحضور
فنان ذو شعبية يقطع ويشلح في الكلام بعد غياب 13 سنة عن الإعلام، حسب قوله، ظهر مع نيشان. كان من الأفضل ألّا يظهر، ويبقى غائبًا، ويكتفي بإصداراته عن التنورة وقلة الأدب.
الألم ليس منبرًا
الحالة المأساوية التي يعيشها لا تصلح أن تكون منبرًا يتفرّج عليه الناس. هذه الشخصية المفترض أنها مؤثّرة، كان الصمت والبعد أجدى لها من هذه التصريحات التي تنمّ عن عجز ويأس وانكسار ووهن. هناك أمور لا تُقال علنًا، وقولها مؤذٍ، ولا تصلح أن تكون سردًا أو مادة تُقال وتُسمع.
فجوة الداخل رغم المظهر
هذه الصورة التي طلّ بها فارس كرم، بالرغم من أناقته وتعطّره وتهذيب ذقنه، إلا أن تلك الفجوة في داخله كانت نشازًا. هذه الفجوة، عندما تمتلئ، تطفو بما لا يرقى، وبما لا يُحمد ولا يُشكر.
مجاز عنيف لا يُغتفر
بعصبية ونرفزة قال: «أنا أذبح أولادي كرمال أمي». حتى وإن قيلت مجازًا أو بدافع الرحمة، فهي تخرج عن إطار التعبير الإنساني، وتدخل في نهج تطبيع العنف والإجرام، وإن كان عن غير قصد.
إدارة إعلامية غائبة
إطلالة كرم كانت تحتاج إلى فلتر سميك وإلى تنقية. وإن نجح نيشان في ربح المشاهدة والرايتنغ، إلا أنه لم ينجح في إيصال أهمية الرسالة ولا في المضمون. لم يُدر الحوار بما يكفي من الحذر، وكان من واجبه أن يتدخل، ويغرس سكة التوجيه في الحديث، ويقوّم الثَّلم، لكنه لم يفعل. لم يفصل بين الألم الإنساني والطروحات الخطيرة، وبقي اعتراف فارس عاريًا، ثقيلًا، بعورات لا يمكن مشاهدتها.
عفوية لا تُحتمل
قد يقول البعض إن هذا عفوية، لكن هذا النوع من العفوية لا يصلح أن يُقال في جلسة مقهى، ولا في بوح رفاق، ولا في الدهاليز المغلقة. فما قاله سمعه الجميع، ولا يصلح للسمع.
الزواج كصفقة لا كشراكة
زاد الطين بلّة حين تكلّم فارس كرم عن الزواج والإيمان، وحديثه لا يقل فجاجة عمّا قاله عن الألم والموت. فعندما يروي قصة زواجه بوصفه تنازلًا بطوليًا، إذ ترك امرأة «تملك 4 مليارات دولار» ليختار هبة عزيز نزولًا عند رغبة شقيقته، فهو لا يقدّم قصة حب، ولا حكاية زواج، ولا تعاونًا في السراء والضراء، بل يسلّع القرار الشخصي ويحوّله إلى صفقة، وكأن الزواج فعل إحسان.
نبرة تمسّ الكرامة
الخطورة هنا لا تكمن في المعلومة، بل في النبرة: نبرة توحي بأن المرأة التي تزوّجها كانت «أقل» من الفرصة التي ضحّى بها، وأنه دخل الزواج وفي يده ميزان أرباح وخسائر. هذا الخطاب لا يخدم صورته، ولا يحترم الشريكة التي هي أم أولاده، حتى لو لم يقصد ذلك.
إيمان بلا اتزان
الأكثر إرباكًا هو التناقض الصارخ بين هذا السرد المادي، وبين الإغراق في الحديث عن العذراء، والقديسين، والإيمان، وصولًا إلى قصص جسدية قاسية عن نخر الجلد، وزرع العظام، ووشم التاتو. هنا يفقد الكلام توازنه بالكامل، ويصبح الإيمان لغة مبالغة لا تجربة روحية، واستعراض ألم لا تأمل داخلي. ناهيك عن الصوت والشخصية واللغة الجسدية لكرم، التي لا توحي بروح تأمل، ولا عفّة، ولا قداسة، ولا زهد، ولا حلم.
استعراض منفّر لا مُقنع
كل ما قاله فارس كرم عن إيمانه، وعن الأم العذراء، وحبه لها، جاء بطريقة استعراضية منفّرة. فبدل أن يواكبه المشاهد، نفر منه وشعر بالريبة.
فشل اللقاء
لم ينجح فارس كرم في هذا اللقاء الذي أراده عفويًا وصادقًا، فصار منفّرًا. ليس بهذه الطريقة الفجّة، ولا بهذا الأسلوب الضعيف المنكسر، تُروى الحكايات، وتُبثّ أعماق النفوس، وتُطلق مقولات: الذبح، والتنازل، والقداسة، والألم الجسدي.
فبدل أن يظهر إنسانًا بارًّا ومؤمنًا ومضحّيًا، ظهر وكأنه أضاع البوصلة، ويضجّ في غياهب الدنيا، غير مدرك أن النية وحدها ليست كافية. فالأسلوب، وطريقة التفكير، والرزانة، والنضج، والحكمة هي الميزان، وكان منها براء.
في النهاية، ما قاله فارس كرم لا يصلح للهواء ولا للإعلام. لم يخدم صورته بل شوّهها، ولم تُظهر تصريحاته نواياه الطيبة، بل كشفت أفكاره غير السويّة.