هناك وجوه، ما إن تطلّ، حتى تفتح في القلب نوافذ للأمان، وترسم ملامح الطمأنينة وتلمّع أجمل الوعود.
شخصية طه حولت دراما الوجع الى حب
وطه، الذي جسّده أحمد السعدني في مسلسل «لا ترد ولا تستبدل»، هو واحد من تلك الوجوه النادرة التي نظن أننا لا نراها إلا في الدراما، لأن الواقع بات شحيحاً بها.
في عملٍ يحكي عن الوجع، عن مرضى الكلى وقسوة الرحلة بين الجسد والانتظار، جاءت شخصية طه كمسحة نور غير متوقعة، خفّفت من ثقل الألم، وحوّلت الدراما من سردٍ قاسٍ إلى حكاية حبّ صامت، ورومانسية نبيلة، وتضحية بلا ضجيج.
طه رجل فقير، معوز، مثقل بالمسؤوليات، لا يملك من الدنيا سوى قهرها، ومع ذلك يحملها برحابة صدر وثبات وإيمان. يناضل من دون أن يساوم على أخلاقه، في عالم يفتح أبوابه كثيرًا لمن يختصر الطريق على حساب القيم. لكنه لا يفعل.

صفات طه: حب من كل الانواع
يبقى واقفًا كسند لأن النبل عنده خيار حياة.ولأن رجولته أداء يأتي من خُلق وصبر.
هو الأب الذي يربّي ابنته الصمّاء «مكّة» بحنان أم ويقظة أب، يلبسها، يطعمها، يحتضن ضعفها كأنها قلبه المكشوف على العالم.
وهو الأخ الذي يحتوي شقيقه العبثي المتمرّد، يحاول إنقاذه من المخدرات والضياع لا بعنف الوصاية بل بحنان الاحتواء.
وهو السند لأخته المتروكة، الحامل، التي ألقتها الحياة في حضنه بعد خذلان زوجٍ هارب.
طه يبدو وكأنه صاحب ذراعين مفتوحتين دائمًا، قادر على ضمّ الجميع من دون شكوى، من دون تأفف. في حضوره تجد حبّ أم، وقدرة أب، وحنان أخ، ورقّة أخت، ونبل صديق… كلها مجتمعة في رجل واحد.
أما حبه لـ«ريم» (دينا الشربيني)، فهو ذروة إنسانيته.
يحبها بصمت، يناديها «الأستاذة» احترامًا لا تصنّعًا، يعمل لديها سائقًا، يسمع كلمتها، لا لأن رجولته منقوصة، بل لأن رجولته واثقة لا تحتاج إلى إثبات.
يفهمها، يحمي هشاشتها، ويجعل مكانته رفيعة في قلبها من دون بوح، من دون اعتراف، من دون انتظار مقابل.
حبه ليس قولًا، بل فعل.حبّ يشبه خُلقه: نبيل، متعفف، عقلاني، عميق.
يصل به الأمر إلى التبرع بكليته لتعيش، ويمنحها ماله حين يُلغى تأمينها وتصبح في مواجهة المرض والموت. يفعل ذلك ببساطة من يرى في إنقاذ الآخر معنى وجوده، لا بطولة تُصفّق لها الأكف.
هو حب يأتي من علياء السند، من فكرة أن تشارك من تحب روحك قبل جسدك، وأن تجتمع معها على كلية واحدة، كأن الحياة لا تكتمل إلا حين تتقاسم الألم.

طه شخصية تدواي وجع المشاهد
طه شخصية تُعيد الأمل، تُلين الظلمات، وتداوي خيباتٍ كثيرة.شخصية تُحفَظ في الذاكرة، ويُعاد إليها كلما قلّ الخير، وكلما بدا العالم أكثر قسوة مما نحتمل.
احمد السعدني أجاد حد التماهي
أحمد السعدني قدّم طه بإجادة تتجاوز الأداء إلى التماهي.كأنه اغتسل بالطيبة قبل الدخول إلى الدور، فنقّى الشخصية، ولمّعها، وتركها تمشي على الشاشة بصدق نادر، دون افتعال دون سقطة واحدة.
طه .. تذكير مؤلم وجميل في آنٍ واحد، بأن الخير لا يزال ممكنًا، حتى حين يبدو مستحيلًا.