تحلّ الذكرى التاسعة لرحيل الفنانة المصرية كريمة مختار، التي غادرت عالمنا في 12 يناير 2017، بعد مسيرة فنية حافلة جعلتها واحدة من أكثر الوجوه قربًا إلى قلوب الجمهور، وكرّست اسمها كرمز للأم المصرية في السينما والدراما.
الميلاد والنشأة في حلوان
وُلدت كريمة مختار، واسمها الحقيقي عطيات البدري، في 16 يناير 1934 بمدينة حلوان، وكانت الابنة الثالثة بين شقيقتيها عواطف وفوزية. نشأت في أسرة متوسطة، حيث كان والدها يعمل في شركة ماركوني، في بيئة لم يكن الفن فيها خيارًا سهلًا أو متوقعًا.
الموسيقى قبل التمثيل
على عكس ما قد يظنه كثيرون، لم يكن التمثيل حلم عطيات الأول، بل وقعت في غرام الموسيقى منذ طفولتها، وكانت تقضي وقتها بين الدراسة، وسماع المقطوعات الموسيقية، والعزف على البيانو. ومع مرور السنوات، ازداد تعلقها بالموسيقى إلى حدّ بدأ يؤثر على تحصيلها الدراسي، ما تسبب في خلافات حادة مع والدها، انتهت بقراره حرمانها من دروس الموسيقى.
قرار الحرمان وبداية الصدام
شكّل هذا القرار أزمة نفسية كبيرة في حياة عطيات، التي رأت أن الموسيقى جزء من وجودها، ووصفت تلك الفترة بأنها أيام سوداء، مؤكدة أن الأنغام كانت تسري في عروقها، وأنها كانت تشعر بانجذاب لا يُقاوم كلما سمعت صوت البيانو.
الصدفة التي غيّرت المسار
عجزت عطيات عن التكيف مع الابتعاد عن الفن، فخرجت سرًا بحثًا عن معهد الموسيقى، لكنها دخلت بالخطأ معهد التمثيل، حيث التقت بالفنان والمخرج الكبير زكي طليمات. هناك روت له قصتها، فآمن بموهبتها، وأخذ بيدها إلى معهد الموسيقى، ثم طلب منها الالتحاق بمعهد التمثيل كمستمعة.
زكي طليمات يقنع الأب
لم يتوقف دعم زكي طليمات عند هذا الحد، بل تواصل مع والدها، ونجح بعد محاولات في إقناعه بأن ابنته موهوبة وتستحق الفرصة. ورغم تبقي شهرين فقط على الامتحانات، شكّل طليمات لجنة خاصة لاختبارها، لتنجح بتفوق وتبدأ دراستها الفنية رسميًا، رغم اعتراض الأسرة في البداية.
من عطيات البدري إلى كريمة مختار
بسبب رفض الأسرة دخولها المجال الفني، طلب والدها تغيير اسمها، فاختار لها بابا شارو الاسم الفني كريمة مختار. وفي السنة الثانية من دراستها، بدأت العمل في الإذاعة المصرية، حيث لمع نجمها سريعًا، وقدّمت أدوار بطولة أكسبتها خبرة كبيرة ورسّخت موهبتها.
رفض السينما لسنوات
رغم نجاحها الإذاعي، رفضت كريمة مختار لفترة طويلة دخول عالم السينما، معتبرة أن لها متطلبات خاصة قد لا تتوفر لديها، وكانت ترى نفسها ممثلة ناجحة في الإذاعة أكثر من الشاشة الكبيرة.
«المستحيل» وبداية الانطلاقة السينمائية
استمرت هذه القناعة حتى عام 1965، حين أقنعها المخرج حسين كمال بالمشاركة في فيلم «المستحيل» أمام نادية لطفي وكمال الشناوي. دخلت التجربة بتردد، واضعة شرطًا واضحًا: الاستمرار مرهون بالنجاح. ومع أول ظهور سينمائي، أثبتت كريمة مختار حضورها القوي، لتنهال عليها بعدها عروض المخرجين، وتبدأ مرحلة جديدة من التألق.
إرث فني لا يُنسى
في ذكراها التاسعة، تبقى كريمة مختار مثالًا للفنانة التي صنعت نجوميتها بهدوء وصدق، وقدّمت أدوارًا خالدة، خاصة شخصية الأم، التي جسدتها بعمق إنساني جعلها واحدة من أكثر الفنانات تأثيرًا في وجدان المشاهد العربي.