تصاعدت في الآونة الأخيرة أصوات سوريين على مواقع التواصل الاجتماعي مطالبةً وزارة الثقافة باتخاذ موقف حازم يمنع إنتاج المسلسلات التي تتناول الثورة السورية ومعاناة الضحايا والمعتقلين، معتبرين أن تحويل تلك المرحلة الدامية إلى مادة درامية تجارية يشكل إساءة أخلاقية قبل أن يكون خلافًا فنيًا.
رفض أخلاقي لتجسيد المعاناة
يرى منتقدون أن لا فنان، سواء كان مواليًا للنظام السابق أو معارضًا له، يستحق “شرف” تجسيد معاناة السوريين الذين عاشوا أربعة عشر عامًا من القهر والعذاب النفسي والمادي. ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الفنان الموالي لا يمكنه، أخلاقيًا، أداء دور الضحية التي كان بعضهم يبرر قمعها أو يمجّد جلادها، فيما يُنتقد بعض الفنانين المعارضين لأنهم – بحسب تعبيرهم – عاشوا خارج البلاد في ظروف مريحة، ولم يُسجّل لهم دعم مادي أو معنوي ملموس للمتضررين، بل عادوا اليوم للمشاركة في أعمال مدفوعة الأجر تتناول المأساة ذاتها.
ويذهب هؤلاء إلى حد القول إن من أراد تسجيل موقف تاريخي حقيقي كان بإمكانه المشاركة في مثل هذه الأعمال دون مقابل، معتبرين أن الأجور المرتفعة، خصوصًا المدفوعة بالدولار، تُفقد “الموقف الوطني” صدقيته وتحوّله إلى استثمار مهني.
الثورة بين التوثيق والدراما التجارية
الانتقاد الثاني يتركز على طبيعة المعالجة الدرامية نفسها. فبحسب المعترضين، فإن شركات الإنتاج تتسابق على قصص الاعتقال والتعذيب والضحايا لأنها تضمن نسب مشاهدة مرتفعة وأرباحًا أكبر، ما يجعل الألم مادة تسويقية تستدرّ عواطف الجمهور. ويعتبر هؤلاء أن المأساة السورية لا يجب أن تتحول إلى “سلعة رمضانية” تُختزل في حلقات مشوقة، بل تحتاج إلى معالجة مسؤولة تحفظ كرامة الضحايا وتبتعد عن المبالغة والاختزال.
وفي هذا السياق، يطالب البعض بأن تتولى وزارة الثقافة توثيق جرائم المرحلة السابقة عبر أفلام وثائقية شاملة ترصد الأحداث على امتداد سنواتها، استنادًا إلى شهادات حقيقية وأدلة موثقة، بعيدًا عن منطق الإثارة الدرامية ومتطلبات السوق.
دعوة لدراما المصالحة وبناء المستقبل
إلى جانب رفضهم استثمار المأساة، يدعو أصحاب هذه الانتقادات إلى توجيه صناعة الدراما نحو أعمال تعزز التعايش السلمي وتقريب مكونات المجتمع السوري من بعضها البعض، بدل إعادة فتح جراح الماضي. ويقترحون إنتاج مسلسلات تعالج قضايا إعادة البناء، وترسيخ دولة القانون، ونبذ الطائفية والأحقاد، معتبرين أن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا فنيًا يسهم في لمّ الشمل لا في إعادة استحضار الانقسامات.
ويرى هؤلاء أن بناء الدول لا يتحقق فقط عبر الانتصارات السياسية، بل عبر وعي ثقافي وفني يُحسن إدارة الذاكرة الجماعية، ويحميها من الاستغلال التجاري. وبين من يطالب بحرية الإبداع ومن يرى ضرورة وضع ضوابط أخلاقية صارمة، يبقى الجدل مفتوحًا حول كيفية مقاربة واحدة من أكثر الفصول حساسية في تاريخ سوريا الحديث.