كارين رزق الله :جرأة وقلم لا يهادن
قلم حاضر جريء وممثلة تستطيع ان تسرق المشهد. كارين رزق الله تكسر جدار الصمت في "المحافظة 15"، وتهدم قلاع الخوف بكلماتٍ لم يجرؤ أحدٌ على الهمس بها من قبل.
فتحت كارين في هذه الدراما جرحاً معتقاً، واقتحمت "أبواب السجون السورية" التي ابتلعت خلف قضبانها سنواتٍ من الرعب والفواجع. وعملت إلى تأريخ معاناة السجون وتوسعت في تصوير المعاناة والانسان الذي يصارع ليبقى حياً وسط أتون الخوف والجريمة. .

الموضوع شائك والجرأة كبيرة وكارين لها في المرصاد. بطلة في الأداء بطلة في النص بطلة ككاتبة وبطلة في إشهار حقائق لا يجرأ الأخرون على الاقتراب منها وهي فعلت وفككت الألغام بخطوات واثقة وثقة عالية.
الجرأة عند كارين تزداد ليس فقط في اختيار موضوع شائك، بل تلك "الفرادة" في ملامسة الوجع دون تجميل. لقد نسجت قصة حبٍ مستحيلة في قلب العاصفة، لتثبت أن العاطفة هي البقعة المضيئة الوحيدة في ليل اللجوء والفقر وصراع البقاء. وهذا ما يجمل العمل الدرامي الحزين ويجعله منيراً وايجابياً.
كممثلة كارين دورها لا يقتصر على خط واحد بل جاء "بين القوة والحنية"، ملامحها وترٌ مشدود بين إرادة المواجهة وضعف الأنثى المحبة، في توازنٍ مبهرٍ لا يحيد عن الحقيقة قيد أنملة متحلية بذكاء درامي لا هو مأساة ولا هو حب رومانسي بالكامل.
يورغو:بطلٌ خلع عباءة الماضي، ليرتدي الصمت البيلغ
أما يورغو شلهوب، فقد عاد إلينا بـ "روحٍ أخرى" ووجهٍ قرأت السجونُ على ملامحه ثمانيةً وعشرين عاماً من الانتظار. لقد أتقن يورغو "فلسفة الصمت"، فكان سكونه أبلغ من أي صرخة، ودموعه التي تسبق الحركة كانت تسقط كنشيجٍ خفيٍّ يفطر القلوب. إنه يورغو الذي نفض عنه غبار الثنائيات التقليدية، ليقف وجهاً لوجه أمام التاريخ والجرح المشترك، مقدماً دوراً يصعب تجسيده وقد فعل وجعل دموع المشاهد تسقط عند رؤية وجهه المسلوخ الذي نتعرف عليه من جديد في هذا العمل الاستثنائي.
تحت عدسة سمير حبشي، تحولت الكاميرا إلى نبضٍ يتنقل بين الأزمات، ترصد أنين اللبنانيين وهو يتقاطع مع وجع اللجوء السوري، خاصة بعدما فجرت "ثورة 8 ديسمبر" أبواب الزنازين لتكشف للعالم حجم المأساة التي كانت مدفونة تحت التراب.

من وردية 'قلبي دق' إلى رماد السجون، تحولٌ يختصر نضج عقدٍ من الإبداع
لم يبق من ثنائية كارين ويورغو أي شيء عرفناه سابقاً في "قلبي دق" . فهنا في "المحافظة 15" تظهر وجوهاً جديدة وأداء اخر والبونٌ شاسع ومليء بالنضوج.
فمن الكوميديا الوردية إلى "دراما السجون" السوداء، يقدم لنا الثنائي (كارين ويورغو) درساً في الاختلاف والتحول. إنها رحلة البحث عن الحرية تحت سماءٍ أثقلتها الهموم، قادتها كارين رزق الله بفرادةٍ مطلقة، واضعةً نفسها في مناطق "لا يجرؤ الآخرون" حتى على تخيلها.
هذا العمل باختصار يتربع على عرش الأعمال الرمضانية لهذا العام كأحد أهم الإنتاجات الدرامية وأكثرها عمقاً وإنسانية. فكارين التي لا تهاب ويورغو الذي استحق ان يكون بطل تراجيدي من نوع متميز وإخراج يتماهى مع ل-النص الفريد ومجموعة أبطال صنعوا المشهد بأفضل أداء.