في عالم الفن، هناك أصوات تشيخ وهناك أصوات تزداد تقطيراً كندى الصباح، وهناك ميادة الحناوي التي قررت أن تكسر مرآة الزمن وتطل علينا بروحٍ تأبى إلا أن تبقى أيقونة عابرة للأجيال. "مطربة الجيل" التي غنت للحب الذي كان، تعود اليوم لتثبت أن "الحب الذي يكون" الآن هو حب الذات والاعتناء بجمالٍ صقله الفن وباركته دمشق.
إطلالة الأربعين.. حين تصالح الجمال مع التقنيات الحديثة
رغم أنها في أواسط الستينيات من عمرها، إلا أن الصور الأخيرة لميادة الحناوي جاءت كزلزالٍ من الجمال الهادئ، حيث بدت بملامح شابة وكأنها استعادت زمن الأربعينيات الساحر. لم يكن مجرد تغيير في الشكل، بل كان "إشراقاً" وُفق فيه العلم والجمال؛ بشرة مشدودة، ومساحات من النور تحت عيونٍ بدت أكثر انفتاحاً على الحياة، وحواجب مرسومة بدقة عززت من هيبة إطار وجهها. لقد انضمت ميادة إلى ركب النجمات اللواتي تصالحن مع التجميل بذكاء، لتبدو واثقة، راضية، ومبهرة.

سيمفونية الألوان: من المكياج الداكن إلى الشعر العسلي
كسرت ميادة في ظهورها الجديد قاعدتها المعتادة في المكياج الهادئ، متبنيةً أسلوباً أكثر قوة وكثافة أضفى لمسة درامية على حضورها. وتوجت هذا التحول بشعرٍ يحمل لون "الأشقر العسلي" الممزوج بتموجات الهايلايت، مما أضفى دفئاً على ملامحها الناضجة. وفي لقطة أخرى من صالون "Allure Studio"، رأينا ميادة بالوردي الناعم والشعر الطويل الـ "ويفي"، لتؤكد أن الحيوية ليست في العمر، بل في القدرة على التجدد.
سيرة النغم: من اكتشاف عبد الوهاب إلى ملهمة بليغ
هذا الوجه الذي يتألق اليوم، هو نفسه الذي سحر موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب حين اكتشفها في سبعينيات القرن الماضي، وهو الوجه الذي ألهم العبقري بليغ حمدي ليكتب ويلحن لها أجمل قصائد الشجن. ميادة التي منعت من دخول مصر لسنوات، لم يُمنع صوتها يوماً من دخول كل قلب عربي. هي التي قدمت "أنا بعشقك" و"كان يا ما كان"، لتعلمنا أن الطرب ليس مجرد صوت، بل هو قضية وهوية.

السهل الممتنع.. فن الحضور الطاغي
تفاعل الجمهور مع صورها لم يكن مجرد إعجاب بملامح متغيرة، بل هو احتفاء ببقاء هذه القامة الفنية في كامل ألقها. ميادة الحناوي لم تذهب نحو التجميل لتخفي تاريخها، بل لتمجّد هذا التاريخ بصورة تليق بـ "عذراء الشام". هي اليوم تعطي درساً في "السهل الممتنع"؛ فالحجاب أو العباءة أو الثوب العصري، كلها تتلاشى أمام "رنّة" صوتها الرخامي وحضورها الذي يزيح الجلجلة ويقيم الشغف.
تبقى ميادة الحناوي مرجعية في التاريخ وصموداً في الحاضر. بصورها الجديدة، هي لا تبحث عن شبابٍ مفقود، بل تعيد صياغة شبابها الدائم بوقار النجمات الكبار. هي "السنديانة" التي تزداد خضرةً كلما مر عليها الزمن، لتبقى شمسها مشرقة، وصوتها بوصلةً لكل تائه في بحور النغم الأصيل.
