TRENDING
تقلا شمعون بين


في فضاء الدراما، ثمة أداء يمر كالبصمة، وتقلا شمعون فنانة

الأدوار الصعبة التي تجيد ترك الأثر. ومرورها يأتي طاغياً مرناً ملوناً.

فنانة التي لا تمثل الدور بل "تستولده" من رحم حواسها، مشذباً بالجاذبية، ومسكوناً بسحر غامض يرفض الانصياع لمنطق النص المكتوب. لا تحتاج شمعون إلى حوارات مثقلة بالكلمات لتبهر، إذ يكفيها ذلك "التردد الصوتي" المشحون بنغمات تطوعها كآلة موسيقية نادرة، لتُسقط الحالة النفسية للشخصية في أعماق المشاهد قبل أن ينطق لسانها. تقلا شمعون صوت وملامح عندما يجتمعان معاً تولد الشخصية فننسى الهوية الأصلية لها لتصبح هي الشخصية.


صباح في "بالحرام": الضوء المستل من العتمة

في مسلسل "بالحرام"، تبرز "صباح" كبوصلة أمان وسط حشد من الشخصيات التي أرهقتها مرارة الحكايات.

هي "الضوء" الذي انبثق من عتمة الأيام؛ تلك المرأة التي تجيد احتواء الوجع، وتفوقت عليه برسوخ إيماني وتهذيب روحي قلّ نظيره.

تقلا شمعون هنا هي "الأم الكونية"، الصديقة الرؤوفة، وخط الأمان والشخصية النظيفة التي تعطي العمل المشحون بالحرام قيمة إنسانية هي صاحبة الدور الذي يزرع البهجة في حقول اليأس وسدان الحق في وجه الظلم والعتمة.

بأداء متعدد الطبقات، تتنقل شمعون بين الغصة والبهجة بانسيابية مذهلة.

حضورها يتفوق على أداء تمثيلي وشخصية ، بل هو "احتضان" للمسلسل ككل؛ هي المركز الذي يلمّ شتات رفاق الدرب، محولةً كل مشهد تمر به الكاميرا إلى "حكاية" قائمة بذاتها، ترويها مسام وجهها قبل عينيها.

داليا في "بخمس أرواح": عصب مشدود على حبل من نار

على الضفة الأخرى، وفي مسلسل "بخمس أرواح"، نلتقي بـ "داليا". ورغم أن الدور قد لا يتسم بالطول الكمي، إلا أن تقلا شمعون تمنحه "صقلاً نوعياً" يجعل من كل ظهور لها حدثاً درامياً مكثفاً. هنا، تتحول تقلا إلى "نصل حاد" في غلاف من نعومة؛ هي الأم الخائفة على ابنتها، والمذعورة من اهتزاز صورتها الاجتماعية.

في "داليا"، تجيد شمعون لعبة "حرق العصب"؛ نظرة واحدة منها كفيلة بتحويل الكادر إلى حقل مغناطيسي عالي التوتر. هي هنا لا تنسكب كما في صباح، بل "تتشنج" برقيّ، مجسدةً القلق الوجودي في أدق تفاصيل حركتها، لتثبت أن "عصب المشهد" لا يحتاج إلى حوار طويل ، بل إلى حضور طاغٍ يسيطر على الصمت نفسه.


وجه واحد.. وتجليات لا تنتهي

بين "صباح" المتشعبة و"داليا" المكثفة، ينتقل الدور وتظل تقلا شمعون ثابتة في قدراتها وأداتها الفذة . هي وجه واحد لكنه متعدد الملامح، تجيد فن "التقمص والولادة المتكررة". عندما تمر الكاميرا أمامها، تدفق ملكاتها بوزنة جذابة تجمد عين العدسة، وتجعلنا ننسى من هي تقلا شمعون لنغرق في كينونة الشخصية الجديدة.

إنها خلطة إبداعية "مخاطة بإبرة فنان"، ومزركشة بومض الحضور الآسر. سواء كانت "صباح" التي تداوي الجراح برنة صوتها الحنونة، أو "داليا" التي تشعل المشهد بوهج الشهب، تبقى تقلا شمعون هي "الحكاية" التي لا تنتهي، والممثلة التي لا تكتفي بملء الكادر، بل تسكن في ذاكرة المشاهد كوشم من ألق.