مع عرض حكاية “نرجس”، تصاعدت حالة من الجدل بين الجمهور حول سبب التعاطف مع شخصية ترتكب أفعالاً صادمة، أبرزها خطف الأطفال. وقد ساهم الأداء اللافت الذي قدمته ريهام عبد الغفور في تعقيد هذه النظرة، حيث نجحت في إضفاء عمق إنساني على شخصية تبدو للوهلة الأولى شريرة ومجردة من التعاطف.
تفصيلة كاشفة: لماذا تخطف نرجس الأولاد فقط؟
من بين التفاصيل التي توقف عندها المشاهدون، أن نرجس لم تخطف فتيات، بل اقتصرت جرائمها على الذكور. الإجابة جاءت ضمن سياق درامي صادم، في مشهد تستعيد فيه علاقتها بوالدتها، التي عبّرت بوضوح عن تفضيلها للذكر على حساب بناتها، بل وتمنت التضحية بهن مقابل إنجاب ولد. هذه اللحظة المفصلية لم تكن مجرد حدث عابر، بل شكلت جرحاً نفسياً عميقاً ساهم في تشكيل سلوك نرجس لاحقاً.

بين الجريمة والجذور: هل يولد الإنسان مجرماً؟
تطرح الحكاية سؤالاً أعمق يتجاوز الشخصية ذاتها: هل الإنسان يولد مجرماً، أم أن البيئة والظروف تصنع منه ذلك؟
تجارب واقعية مشابهة تعزز هذا الطرح، حيث يظهر أحياناً تداخل مربك بين الضحية والجاني. في بعض الحالات، يتحول من تعرضوا للعنف والقسوة في طفولتهم إلى أشخاص عنيفين بدورهم، ما يجعل الحكم الأخلاقي أكثر تعقيداً.
نرجس نموذجاً: ضحية بيئة قاسية أم مجرمة باختيارها؟
نشأت نرجس في بيئة لا تعترف بقيمة المرأة، خصوصاً إذا كانت غير قادرة على الإنجاب. في مجتمعات لا تزال تنظر إلى المرأة من زاوية وظيفتها الإنجابية، تتحول “العقم” إلى وصمة، ويُختزل وجودها في هذا الجانب فقط. هذه الخلفية تفسر جانباً من دوافع الشخصية، دون أن تبرر أفعالها.

العلاقات الإنسانية: المصدر الأول للألم والإصلاح
يشير كتاب “علاقات خطرة” للدكتور محمد طه إلى أن العلاقات الإنسانية هي الأكثر تعقيداً وتأثيراً في حياة الأفراد؛ فهي قادرة على أن تكون مصدر السعادة أو السبب الرئيسي للتشوه النفسي. في حالة نرجس، تبدو العلاقة الأسرية المضطربة هي الجذر الأساسي لانحرافها.
المجتمع في قفص الاتهام: من المسؤول؟
لا يمكن فصل الفرد عن سياقه الاجتماعي. فكل شخصية مؤذية غالباً ما تكون نتاج بيئة مختلة، ما يضع المجتمع أمام مسؤوليته في كسر هذه الدائرة. غير أن هذا الفهم لا يلغي المساءلة، بل يضيف بعداً تفسيرياً يساعد على الوقاية.

الخلاصة: فهم الدوافع لا يعني تبرير الجريمة
نرجس، كغيرها من الشخصيات المركبة، تمثل نموذجاً للجدل الأزلي بين الخير والشر داخل الإنسان. هي مجرمة تستحق العقاب، لكنها أيضاً نتاج بيئة قاسية ساهمت في تشكيلها. وبين التعاطف والإدانة، يبقى الوعي هو السبيل الوحيد لكسر دائرة العنف المتوارث، حيث يبدأ التغيير من فهم الأسباب قبل إطلاق الأحكام.
