عاد مسلسل “ليل” إلى الواجهة بعد غياب خلال موسم رمضان، لكن عودته لم تكن بحجم الترقب، بل جاءت صادمة من حيث التنفيذ والمضمون. خمس حلقات عُرضت دفعة واحدة، كان يمكن اختصارها بسهولة في حلقة واحدة دون أن يخسر العمل شيئاً يُذكر، بل ربما كان سيكسب إيقاعاً مفقوداً منذ البداية.
ثرثرة درامية بدل حبكة محكمة
منذ اللحظة الأولى، يغرق العمل في حوارات مطولة تفتقر إلى البناء الدرامي الحقيقي. الشخصيات تتحدث أكثر مما تفعل، وتكرر نفسها في مشاهد تبدو وكأنها كُتبت لملء الوقت لا لتطوير الأحداث. النتيجة: مسلسل يتحرك ببطء شديد رغم أن المفترض أنه ينتمي إلى فئة التشويق.
منطق غائب… وجريمة “معلنة للجميع”
أكثر ما يثير الاستغراب هو الخط الدرامي الرئيسي: نجم (محمود نصر) يعثر على نورس (جو طراد)، يقيّده، ثم يعلن أمام الجميع نيته قتله. نعم، الجميع يعلم بالخطة… باستثناء الشرطة. جريمة يُفترض أن تكون سرية تتحول إلى “خبر عام”، دون أي مبرر درامي مقنع.
ولا يتوقف العبث هنا. نجم يخبر ورد (كارمن بصيبص) ويوصيها بابنتهما، ثم يذهب ليخبر صديقه باسم (وسام فارس). الأخير، وبدلاً من ردعه بمنطق، يقنعه بطريقة عبثية: إن دخل السجن مؤبداً، فسيبقى قريباً من ورد لتغرم به. طرح يفتقر إلى الحد الأدنى من الواقعية أو حتى الذكاء.
تصعيد مصطنع ومواقف أقرب لقصص الأطفال
تبلغ السذاجة ذروتها عندما تقرر ورد إحضار الطفلة إلى مكان احتجاز نورس للضغط على نجم. مشهد يبدو وكأنه مقتطع من قصة موجهة للأطفال، لا من عمل يفترض أنه بوليسي تشويقي.
ثم تتوالى الأحداث بلا منطق: نورس يهرب، تختفي ملاك، يعثر عليها باسم… لكن بدلاً من طمأنة والديها فوراً، ينشغل بحوارات جانبية طويلة مع شقيقته. تأخير غير مبرر يُفقد المشهد أي مصداقية إنسانية.
أخطاء فادحة تضرب مصداقية السرد
الضربة القاضية تأتي مع “تفصيلة الهاتف”: باسم يعجز عن الاتصال بنجم وورد لأن الهاتفين مغلقان، لكن في المشهد التالي مباشرة، يتصل نجم بورد بشكل طبيعي. خطأ استمرارية فادح يكشف هشاشة الإخراج وغياب الرقابة الفنية.
ومن هنا، ينزلق العمل إلى قاع العبث: يتم استدراج نجم وورد إلى فخ، ويُجبر نورس ورد على قتل نجم. ومع ذلك، لا يكلف نفسه حتى عناء التأكد من موته، بل يهرب معها لينهض نجم كأنه لم يصب بطلقة..
إخراج مرتبك… ورؤية مراهِقة
المشكلة لا تتوقف عند النص، بل تمتد إلى الإخراج الذي يبدو مرتبكاً، بلا إيقاع واضح أو رؤية متماسكة. الانتقالات مفككة، التوتر غائب، والمشاهد الحاسمة تُقدَّم ببرود يُفقدها أي تأثير.
العمل، في مجمله، يبدو وكأنه مشروع غير مكتمل، أقرب إلى تجربة أولى لمخرج شاب، لا إلى مسلسل يُعرض على جمهور واسع يبحث عن حد أدنى من المنطق والمتعة.
سقوط مدوٍ لعمل كان يمكن إنقاذه
“ليل” يقدم مثالاً صارخاً على كيف يمكن لفكرة قابلة للتطوير أن تنهار بسبب كتابة مرتجلة وإخراج غير منضبط. حلقات مليئة بالثرثرة والأخطاء، تفتقر إلى التماسك والمنطق، وتضع المشاهد أمام تجربة أقرب إلى العبث منها إلى الدراما.
باختصار: مسلسل كان يمكن أن يكون جيداً… لكنه اختار أن يكون درساً في كيف لا تُصنع الدراما.