TRENDING
Reviews

"أسد" محمد رمضان ورزان جمال.. ملحمة بصرية باذخة حاصرتها فِخاخ الإطالة والخلطات الفنية


لطالما كانت التكلفة الإنتاجية العالية سلاحاً ذو حدين في السينما؛ فهي إما أن ترفع العمل إلى مصاف العالمية، أو تثقله بتفاصيل فائضة عن الحاجة.

في فيلم "أسد"، نجد أنفسنا أمام رحلة تاريخية شائكة وشديدة الحساسية، تطرق أبواباً ظلت مغلقة في وجه الدراما العربية وهي "تجارة الرق والعبودية في مصر". العمل يقدم صناعة سينمائية مكلفة ومبهرة بصرياً، لكنه في الوقت ذاته يضع المشاهد أمام اختبار حقيقي للصبر بسبب تداخل الأنماط الفنية وطول مدة العرض.


توليفة سينمائية متداخلة.. بين الأكشن، الرومانسية، والتوثيق التاريخي

المفارقة الأساسية في "أسد" تكمن في هويته؛ فالفيلم في روحه العميقة يبدو كفيلم أكشن طويل وحابس للأنفاس، وفي اماكن أخرى ينعطف ليصبح دراما رومانسية دافئة ترتكز على قصة الحب المستحيلة بين العبد وسيدته. وفي خلفية كل هذا، تبرز الروح التوثيقية الجافة التي تحاول رصد حقبة تجارة الرق في مصر بدقة.

هذا الاختلاط بين النكهات المتعددة لم يترك مساحة كافية لأي نمط كي يتنفس أو ينفرد بالصدارة؛ فالرومانسية لم تأخذ مداها الكامل، والتاريخ تداخل مع الحراك الحركي، مما جعل من هذه "الخلطة الواسعة" تجربة مشاهدة تكاد تكون مرهقة للمتابع الذي يبحث عن خط درامي محدد وواضح.


130 دقيقة من الإسهاب والوجع البصري

المشكلة الحقيقية التي تواجه الإيقاع العام للفيلم هي الرغبة في قول كل شيء، والإسهاب في مواضع كان يمكن تكثيفها. امتداد العرض لأكثر من 130 دقيقة ألقى بظلاله على ديناميكية الأحداث، خاصة مع الإفراط في تقديم مشاهد التعذيب القاسية والمعاناة الجسدية للعبيد.

هذه المشاهد، رغم ضرورتها الدرامية لتعزيز رغبة البطل في التحرر، تحولت بتكرارها إلى عبء بصري ونفسي مرهق للمشاهد، وبدت في أحيان كثيرة ممتدة من غير حاجة حقيقية لدفع الحبكة إلى الأمام.


أداء استثنائي.. رمضان ورازن في تحدي كسر النمطية

رغم الملاحظات على الإيقاع والخلط اللوني للفيلم، إلا أن أداء الممثلين جاء فوق العادة، وشكل طوق النجاة الذي حافظ على جاذبية العمل. النجم محمد رمضان أثبت مجدداً أنه بطل من طراز رفيع وقادر على خوض التحديات الصعبة؛ حيث جسد دور العبد الساعي لفك قيود عبوديته ببراعة، متخلياً عن أدواته التقليدية ليمنح الشخصية أبعاداً إنسانية صادقة وعميقة.مبرهنا عن قوة جسدية وليونة ومخاطرة صعبة. 

على الجانب الآخر، فاجأت النجمة اللبنانية رزان جمال الجمهور بخلعها لكل أدوارها الماضية، ممتلكةً الجرأة لتطل في ثوب جديد تماماً وصعب درامياً. رزان كانت فاكهة العمل ونبضه الرقيق امام شحن من مشاهد العنف والقتل والتعذيب.  أداؤها لشخصية "السيدة" المرتبطة عاطفياً بالعبد المتمرد حمل توازناً مدهشاً بين الكبرياء الطبقي والضعف الإنساني أمام الحب، لتؤكد رزان ومعها رمضان أن الموهبة الحقيقية قادرة على السطوع حتى وسط أعتى العواصف الإنتاجية والإخراجية.


اخراج عالمي لفيلم يستحق المشاهدة 

ما يحسب لـ "أسد" أيضاً هو أنه لم يقع في فخ "فيلم النجم الواحد". وجود قامات مثل ماجد الكدواني يمنح الأحداث ثقلاً ورصانة في المشاهد الحوارية، في حين يقدم الشباب مثل أحمد داش وعلي قاسم والفنان القدير كامل الباشا أداءً حيوياً يجعل من جموع الثائرين شخوصاً نابضة بالحياة ولها دوافعها الخاصة، وليسوا مجرد كومبارس في خلفية المشهد.

لكن، ورغم كل الهنات التي شابت انسيابية السيناريو، يظل المبرر الأقوى لمشاهدة هذا الفيلم هو تلك "الإشادة الإخراجية" التي يستحقها المخرج محمد دياب. فبعد غياب دام سنوات عن الساحة السينمائية العربية انشغل فيها بتقديم أعمال عالمية، يعود دياب ليثبت أن عينه الإخراجية لم تفقد بريقها ولا حذاقتها.مقدماً فيماً بمواصفات عالية وعالمية مبهرة.