TRENDING


يضعنا الإصدار الأخير للفنان اللبناني وائل كفوري "شو مشتقلي" أمام تساؤل نقدي ملحّ حول المسار الذي تتجه إليه الأغنية اللبنانية والعربية المعاصرة. الأغنية التي لم تتجاوز عتبة الدقيقتين وبضع ثوانٍ، تبدو في تركيبتها اللحنية والنصية كمن يغني على عجل؛ خفيفة، عابرة، لكنها لا تترك في ذهن المستمع ذلك الإشباع الفني الذي طالما ارتبط باسم "ملك الرومانسية".

إنها ليست الأغنية التي تصنع مجداً، ولا تلك التي تقدم أسطورة صوت أو عمق لحن، بل هي أقرب إلى "سناك فني خفيف" لطيف في لحظته، لكنه غير مغرٍ بالبقاء في الذاكرة.


البوح الطفولي ومأزق التكرار اللفظي

تنطلق الأغنية من كلمات بسيطة تبدو أشبه ببوح طفلي عفوي يفتقد إلى الدهشة الشعرية أو البناء الدرامي المتصاعد:"شفتو ع مفرق بيتو.. لا حكاني ولا حكيتو بس ضلّو يتطلع فيّي.. عيونو ما تركت عينيّي شو مشتقلي حسّيتو" .

الكلمات هنا لا تتجاوز كتلها النصية صياغة جملة مكررة ومعادة على نفس النسق الإيقاعي الدائري. يغيب هنا النضج العاطفي المعتاد في قصائد الفراق التي غناها وائل كفوري ليحل محله مشهد سينمائي مبتور، يُعاد مراراً عبر لازمة لحنية بسيطة وقريبة من الأسلوب الإيقاعي الذي اشتهر به الملحن طارق أبو جودة في بداياته، حيث التركيز على التكرار السمعي السريع الذي يسهل حفظه، لكنه يفتقر إلى الجاذبية العميقة.

ثقافة الـ "TikTok" واختصار الأصوات الكبيرة

العلة الحقيقية في "شو مشتقلي" لا تكمن في وائل كفوري كحنجرة استثنائية، بل في خضوع هذا الصوت لمتطلبات "عصر السمع المختصر" والمنصات الرقمية (كـ TikTok وReels). نحن نعيش في زمن بات فيه المستمع يملك طاقة انتباه لا تتعدى الثواني، مما دفع بصنّاع الموسيقى إلى اختصار الجمل اللحنية، وإلغاء المقدمات الموسيقية الطويلة والذهاب مباشرة إلى "اللازمة" التسويقية.

هذا التحول الرقمي جعل الأصوات الكبيرة والمدربة على المساحات الطويلة تضمر وتختصر حضورها داخل قوالب ضيقة لا تتسع لعربها وصعودها ونزولها الفني. تصبح الأغنية سريعة لكنها لا تصل إلى القلب، وتتحول من قطعة فنية تعيش طويلاً، إلى مادة استهلاكية تمر وتتبدل في ثوانٍ.

ميزة واحدة.. صوت وائل ينجو وحيداً

الشيء الوحيد الذي ينقذ "شو مشتقلي" من السقوط في فخ النسيان الكامل هو هُوية وائل كفوري الصوتية. هذا الصوت الذي يملك بصمة دافئة وخامة لا تخطئها أذن، هو الناجي الوحيد في العمل. فوائل يمتلك القدرة الفريدة على منح الكلمة البسيطة وزناً، واللحن العادي روحاً، لدرجة أن المستمع يستدل على سحره حتى وإن كان يقرأ أحرف جريدة يومية جافة.

لكن، هل يكفي الصوت وحده لصناعة القيمة الفنية ؟ الإجابة النقدية تظل: لا. الأصوات الكبيرة بحاجة إلى فضاءات رحبة، ومجموعات فنية موسيقية إذا جاز التعبير تعتمد على الحرفية والعمق الفني، لا على قوالب الوجبات السريعة التي سرعان ما تنتهي ولا تشبع.