"ممكن"... كسر المحظور وارتقى فنياً
لم يكن كل هذا الذي مرّ ممكناً، لكنه عبر ولو بوخز ووجع وشرود. "ممكن"، هذا العمل الجريء المتحدّي الذي يكسر التابو وكل المحرمات، مقدّماً قصة يُحكى عنها همساً ومواربة. أسرار لا تُفشى إلا في جلسات الثرثرة المرّة، وخارج سياق الرزانة.
فعلها مسلسل "ممكن"، فرفع الصوت وباح باللامعقول واللامقبول، وكان صداه دوياً يكسر كل المحظورات ويترفع فوق كل ذلك. جاء راقياً سلساً ملهماً، يفك اللثام عن العيب، ويكسر قيد الظلم، ويفجّر الحقيقة، ويفرجي وجع الظلم وأنين النساء المظلومات المنتهكات المتعريات.

أمين درة... عبور فوق الألغام
المخرج أمين درة يستحق كل الجوائز. مرّ فوق كل هذه الكمائن بروح من فولاذ، وعبر عن النسوة المسحوقات تحت نير العهر والاستعباد بطريقة تعلّم الرقي، وتصوّب السهام نحو الحق، وتفرجي الباطل وتظهر النقاء.
عمل كان يمكن أن يكون مفخخاً، لكنه مرّ كخيط حرير انسلّ من روح الدراما بكل عقلانية ورزانة، وشبع تعبيراً في الظلم والانتهاك والاستضعاف، ولم يكن صيداً للابتذال.
نادين نجيم... النجمة التي خلعت بريقها

الأبطال، لا سيما نادين نجيم التي قبلت بمثل هذا الدور الذي قد يترك ندبه فوق سيرتها، ويلطخ ذاكرة المشاهد بوجه لا يحبه. خلعت كل كسوتها الأنيقة، ولبست الدور من صميمه، وجاءت به كروحاً عالية، معبّرة قديرة، بصوت مبحوح مخنوق، وشخصية محبة، وحضن قادر أن يحتوي كل ظلم النساء في الأرض.نادين التي لبست رداء يصعب حمله ترجلت عن قمتها ومشت في سرداب صعب وجاءت بطلة حقيقية تشبه ظلم وظلمات نساء وفتيات غرر بهن الزمن والقدر.
ظافر العابدين... الرجل الذي نفتقده

ظافر العابدين، البطل الذي يحتاجه كل فرد في عائلته. محب، متفهم، رجل مقدام بكبره، رقيق بتعاطيه، منطقي. رجل فيه من الحلم أكثر مما فيه من الواقع. رجل يفشّ الخلق، ويكون تعويضاً عن رجل قلّما نجده في هذا الوجود.
هذا من دون أن نحكي عن الأداء ولبسه اللهجة اللبنانية التي براها وأجادها، وأتى بها كطبيب رفيع المستوى، بكل ما في كلمة حكيم من معنى.
رولا حمادة... سنونوة العمل

أما رولا حمادة، فغطّت في العمل كسرب السنونو المهاجر. تأتي على غفلة، تدور وتلوّن الأمكنة، وتملؤها صداحاً جميلاً. مرور قليل، لكنه ثري.
شخصية جاءت كقبّان للعمل، تحمل التوازن، وتلحم الشقاق، وترش عبق الاحتضان للمرارة والظلم، وتواجه كمتحدية. ومن أكثر من رولا حمادة يجيد اللعب على الخطوط الحمراء؟ من مثل قامتها الطويلة يستطيع أن يتسربل بالإبداع، ومن مثلها يعرف كيف ينحت الشخصيات من الداخل إلى الخارج، ليقدم شخصية ترجف قلب المشاهد وتخلق له حقولاً من المغناطيس في الأجواء.
أنجو ريحان... ابنة الأرواح الكثيرة

أما أنجو ريحان، ابنة المسرح التي تولد من ألف جبلة ومن ألف روح. أنجو الفنانة التي لا تشبه أحداً سوى روحها. ممثلة مملوءة بحنطة التوالد، وممرجة بنضرة الاختلاف.
أعطت في مشاهدها كمن يولد في مكان ويتجذر فيه. عابقة، مرنة، مسيطرة، خلابة. شخصية ترقص لها القلوب لكثرة هذا الدفق الذي يذهب بنا أبعد من المشهد. يرمينا عند عتبات صوتها الجريح وهي تصرخ: "يا أمي"، فتعيد أصوات أمهاتنا إلى قلوبنا، وترثي لغة الأمومة التي انتُهكت ومُرّغ بها الأرض.
الصّباح... مغامرة ربحت الرهان
شركة الصّباح، عندما أخذت هذا القرار بإنتاج هذا العمل، غامرت بالكثير ودفعت نفسها نحو التهلكة في عالم محنّط بالتقاليد وبالممنوع. لكنها أقدمت، وسرجت خيلها، وأصهلت، وقدمت عملاً فنياً اجتماعياً توعوياً يفضح الكذب والملعنة، وينصف المظلوم، ويفرجي طريق فتيات عشن الغلب وانتهكت أعراضهن ولوثتهن الدنيا لأن جناحهن كان ضعيفاً مكسوراً.
الصباح ربحت الرهان، وقدمت درساً في الفن وفي العلو، وكيف يكون الفن درساً ووازعاً. فكل قضية، وكل قصة، وكل عيب يمكن تناوله، لكن الأسلوب والغاية هما الأهم، وكذلك النظرة الثاقبة والروح الهادفة.
