TRENDING
فرج سليمان.. الصوت الذي يصرخ لفلسطين وتسمعه الدول المجاورة

بعد الحفل الأسطوري الذي أحياه فرج سليمان في المدرجات الرومانية في جرش، جاء إلى بيروت ليقيم حفله الذي بات يشبه موعدًا منتظرًا بينه وبين جمهوره اللبناني.

لكن حفل فرج في بيروت ليس مجرد أمسية موسيقية. هناك شيء مختلف يحدث منذ اللحظة الأولى؛ شيء يجعل الجمهور متعطشًا لنغمة البيانو قبل الصوت، وكأن الحكاية تبدأ من المفاتيح البيضاء والسوداء قبل أن تصل إلى الكلمات.

من جرش إلى بيروت.. ليلة تبدأ من البيانو

منذ بداية الحفل، كان واضحًا أن الجمهور جاء وهو يعرف ماذا ينتظر. بين الأغنية والأخرى، كان لا بد لفرج أن يترك مساحة للبيانو كي يتكلم وحده، فيبدأ الجمهور لعبة التخمين: ما هي هذه المعزوفة؟ ولأي أغنية ستكون؟

كنا نتحزر إن كانت لـ«آسا جاي»، أو ربما لـ«بخطرلي اشتقلك».

لكن معزوفات فرج، رغم تشابهها، لا تشبه إلا فرج. تشبه بعضها في السحر، في تلك الحالة التي تخلقها خلال ثوانٍ قليلة، وتجعلك تعرف أن هذه النغمة لا يمكن أن تكون إلا له.

وكما يحدث مع موسيقى شوبان، حيث تستطيع أحيانًا أن تعرف صاحب المقطوعة قبل أن يخبرك أحد، بات لفرج سليمان أيضًا أسلوبه وبصمته. موسيقى تحمل هويته، حتى عندما لا تكون هناك كلمات.

معزوفاته تأخذنا إلى عالم الهواجس. إلى ذلك المكان الذي تبدأ فيه بمراجعة يومك قبل أن تصل إلى الحفل، ثم تجد نفسك فجأة تستعيد سنوات كاملة.

تفكر كيف مضت السنوات على الشباب اللبناني، وكيف كبر جيل كامل وسط كل هذا القلق والأسئلة والأزمات، وكيف استطاع فرج أن يضع أغنيات تعبّر عنهم بهذه الدقة.

ربما لهذا السبب تحديدًا تبدو أغانيه قريبة من الناس. لأنها لا تتحدث عن مشاعر بعيدة أو مثالية، بل عن تلك الأفكار التي تظل تلاحقنا، عن العلاقات التي تركت أثرها، عن الاشتياق، عن الخيبة، وعن الأشياء التي نقول لأنفسنا إننا تجاوزناها بينما هي ما زالت تسكن في مكان ما داخلنا.

كان البيانو في تلك الليلة أكثر من آلة موسيقية. كان مساحة للتأمل، ووقتًا مستقطعًا من صخب الحياة، وفرصة لأن يسمع كل شخص شيئًا من نفسه.

«مش ضروري».. حين تصبح الأغنية مساحة للغضب والحب والانكسار

وسط هذه الحالة، جاءت «مش ضروري»، الأغنية التي كتبها المخرج محمد دايخ، والذي كان حاضرًا في الحفل إلى جانب فريق عمله وعائلته.

الأغنية تحمل مكانة خاصة لدى الجمهور اللبناني، وهذا ظهر بوضوح عندما لم يكتفِ الجمهور بسماعها مرة واحدة، بل طلب إعادتها.

مرة أخرى.

لأن مرة واحدة لم تكن كافية لكل هذه المشاعر.

ربما لأن «مش ضروري» ليست بالنسبة إلى جمهورها مجرد أغنية تُسمع، بل حالة يعيشها كل شخص بطريقته. أغنية يمكن أن يجد فيها شيئًا من علاقة انتهت، أو كلام لم يُقل، أو شعور حاول صاحبه أن يتظاهر بأنه لا يعنيه.

وهنا تحديدًا تظهر قوة فرج سليمان؛ فهو لا يدفعك إلى الشعور بالقوة، بل يسمح لك أن تشعر بكل شيء كما هو.

أن تحب.

أن تشتاق.

أن تغضب.

أن تنكسر.

وأن تعترف، ولو بينك وبين نفسك، بأن بعض الأشياء ما زالت تؤلمك.

كان الحفل ساحرًا بطريقة هادئة. لا تحتاج بعده إلى كثير من الكلام. تخرج منه وأنت تشعر بأن شيئًا ما تغيّر، أو ربما شيئًا ما خرج منك أخيرًا.

تخرج بهدوء وسكينة، كأنك تركت في القاعة جزءًا من غضبك، وحبك، واشتياقك وانكسارك.

وهذا ربما هو سر فرج سليمان.

أنه لا يغني فقط لكي نسمعه.

يغني لكي نسمع أنفسنا.

ومن فلسطين، حيث يحمل صوته الكثير من الذاكرة والأسئلة، إلى جرش ثم بيروت، يواصل فرج سليمان تقديم موسيقى تتجاوز المكان والحدود؛ صوت يصرخ لفلسطين، لكن صداه يصل إلى الدول المجاورة، وإلى كل شخص وجد في نغماته حكاية تشبهه.