بقلم رئيس التحرير إبراهيم ريحان
لم يكن فضل شاكر يخطو مجرد خطوة قانونية سقطت بموجبها الأحكام الغيابية الثقيلة عندما قرر أن يكسر عزلة مخيم "عين الحلوة" الطويلة ويسلم نفسه لمخابرات الجيش اللبناني في الربع الأخير من سنة 2025. كان كمن يعلن التعب من الإقامة في "المنطقة الرمادية" بين هويتين متناحرتين. ثم جاء صيف 2026، وتحديداً في الثامن من تموز، ليحمل قرار المحكمة العسكرية بإخلاء سبيله بكفالة مالية في قضايا أمنية أربع، مسبوقاً ببراءة من "جنايات قصر عدل بيروت" قبل أسابيع.
ليس خروج فضل المؤقت إلى الضوء ومطالبته بـ "فرصة قصيرة لاستعادة عافيته"، فصلاً ختامياً بقدر ما هو ذروة لدراما لبنانية شديدة التعقيد.
إذا حاولنا قراءة هذا البورتريه الممزق، يتداخل في ذهنك أسلوبان:
الأول: النبرة الصحافية المشوقة التي تطارد "الرجل الذي كان يملك كل شيء فقرر الانتحار على رصيف الأيديولوجيا".
والثاني: تشريحه السوسيولوجي الصارم الذي يرى في الحكاية مأساة "المهمش الصيداوي الذي يبحث عن هوية تعويضية في زمن الانفجارات الطائفية".
"المغني الذي أطلق النار على صوته"
سألته يوماً في ذهني: كيف يمكن لرجل ينام على حرير النجومية ويستيقظ على ملايين المعجبين، أن يختار طوعاً النوم في خندق مستعار؟
لم يجب، لكن الغابة التي في داخله كانت مليئة ببنادق تبحث عن قضية، وقضية ضلت طريقها إلى المسرح.
حين تمسك بالخيط المفضي إلى فضل شمندر، الذي صار شاكر، تجد نفسك أمام رواية مشوقة من روايات الصعود والهبوط في الشرق الأوسط.
رجل وهبه الله حنجرة من قطيفة، قدرة عجيبة على تدليك جراح العشاق بـ "بيّاع القلوب"، والتربع على عرش الرومانسية العربية. كان يملك مفاتيح القصور المضاءة، ومقاعد الدرجة الأولى، والشاشات التي تتسابق على التقاط ابتسامته الخجولة.
لكن المأساة بدأت حين شعر هذا "الفتى الوسيم" أن كل هذا المجد مجرد قشرة زائلة.
انزلق فضل من لمعان المسرح إلى غبار المربع الأمني في عبرا. تبنى خطاباً ليس له، وارتدى عباءة الشيخ أحمد الأسير، وظن أن "الجهاد" هو الأغنية البديلة. في لحظة جنون جماعي عاشها الإقليم مع الحريق السوري، اعتقد فضل أن صوته يمكن أن يكون قذيفة.
حين أطبق الجيش على عبرا في 2013، تبخرت الأوهام. وجد المغني نفسه سجيناً في زواريب مخيم عين الحلوة الضيقة لأكثر من عقد. تآكلت صحته، وصدرت بحقه أحكام غيابية بلغت أكثر من 20 عاماً.
تحول من "أمير الرومانسية" إلى مطارد يغني عبر الـ"يوتيوب" بصوت مخنوق بالرطوبة والحصار. تسليم نفسه في 2025، ثم البراءة وإخلاء السبيل في 2026، ليست انتصاراً، بل هي محاولة من محارب متعب لاستعادة أشلاء حياة سرقتها منه لحظة طيش أيديولوجي. إنه يبحث الآن عن نفق ضيق للعودة إلى مجتمع لا يغفر بسهولة، وقانون يزن الكلمات بميزان الذهب الدموي.
"انفجار الهوية الفرعية ودمج الفن بالأصولية"
تذهب القراءة السوسيولوجية لـ "ظاهرة فضل" إلى ما هو أبعد من الحنجرة واللحية. فضل شاكر ليس مجرد مغنٍ ضل طريقه، بل هو تجسيد حي لأزمة "السنّية السياسية والمجتمعية" في لبنان ما بعد عام 2005، وتحديداً في مدينة صيدا.
ينتمي فضل عائلياً واجتماعياً إلى الفئات الهامشية التي نمت على ضفاف صيدا ومخيماتها، أمه فلسطينية، ونشأ في بيئة شعبية قاسية. وفرت له النجومية "صعوداً طبقياً" هائلاً وثروة طائلة، لكنها عجزت عن توفير "اعتراف سوسيولوجي" عميق في مجتمع مديني صيداوي تحكمه بيوتات سياسية وتجارية عريقة. ظل فضل يشعر، بوعي أو بدون وعي، بأنه "غريب" أو "مستلحق".
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، والشعور العام بالاستضعاف والتهميش الذي أصاب شرائح واسعة من السنّة في مواجهة فائض القوة لدى أطراف أخرى، وجد فضل في ظاهرة "الشيخ أحمد الأسير" ضالته المنشودة. لم تكن الأصولية بالنسبة لفضل تديناً لاهوتياً عميقاً، بل كانت "هوية تعويضية صلبة" تمنحه القوة والشرعية المجتمعية التي لم تمنحها له أغاني الحب.
إن دمجه للفن بالأصولية، ثم إعلانه "توبة" شملت تحريم الموسيقى ووصفها بالفسق، كانت محاولة راديكالية لقطع الصلة بالماضي الذي لم يمنحه الأمان الكامل. لكن المفارقة تكمن في أن هذه الهوية الجديدة (الجهادية) سرعان ما اصطدمت بصخرة "الدولة" ومؤسستها العسكرية في معركة عبرا. عودة فضل اليوم عبر أروقة القضاء العسكري، وشهادات الضباط المتقاعدين التي برأته من الدعم المالي واللوجستي، تفكك الأسطورة الأيديولوجية لتعيده إلى حجمه الطبيعي: مواطن لبناني مأزوم، وقع ضحية لتوظيف سياسي وطائفي تجاوز قدرته على الاحتمال.
البورتريه الممزق
يقف فضل شاكر اليوم على عتبة السادسة والخمسين من عمره. لم يعد الشيخ التائب الشاتم للجميع، ولم يعد بياع القلوب الذي يسحر المراهقين. إنه رجل يبحث عن "البرود القانوني" بعد سنوات من "الغليان العاطفي والطائفي".
يبقى فضل شاكر الدرس اللبناني الأبرز: في هذا البلد، حتى لو كنت تملك أجمل صوت في العالم، يمكن لـ "الهويات القاتلة" أن تحولك، في غمضة عين، من نجم يضيء ليل العواصم، إلى متهم يبحث عن كفالة مالية ليشتري بها حق النوم في سريره.