في زمن تتصدر فيه صور الصراعات عناوين الشرق الأوسط، اختار المصمم السوري العالمي رامي العلي أن يروي حكاية مختلفة؛ حكاية تحتفي بالهوية، والجذور المشتركة، والحرفية التي توحّد المنطقة أكثر مما تفرّقها. ففي مجموعة الهوت كوتور لخريف وشتاء 2026-2027، لم تكن الصحراء مجرد مصدر إلهام بصري، بل تحولت إلى لغة تصميمية تحمل ذاكرة المكان وروحه.
رامي العلي، الذي انطلقت مسيرته من سوريا قبل أن يؤسس داره في دبي عام 2001، نجح خلال أكثر من عقدين في ترسيخ اسمه بين أبرز مصممي الأزياء الراقية في العالم. وقد عُرف بأسلوبه الذي يجمع بين الرقي المعاصر والحرفية الشرقية، ما جعله الخيار المفضل لكثير من النجمات والملكات وسيدات المجتمع على السجاد الأحمر وفي المناسبات العالمية.
الصحراء... هوية وليست مجرد مشهد
استلهم العلي مجموعته من التحولات التي تعيشها الصحراء بين شروق الشمس وغروبها، حيث تتبدل الألوان والظلال باستمرار، في مشهد يعكس الهدوء والقوة في آن واحد. ومن هنا جاءت لوحة الألوان متناغمة مع طبيعة الرمال، فتدرجت بين الأبيض اللؤلؤي، والذهبي الدافئ، والبيج الرملي، وصولاً إلى الرمادي والأسود، مع لمسات براقة تحاكي انعكاس الضوء على الكثبان.
لكن الصحراء بالنسبة إلى رامي العلي لم تكن مجرد منظر طبيعي، بل رمزًا للهوية المشتركة التي تجمع شعوب المنطقة، وللإرث الثقافي الذي بقي حاضرًا رغم اختلاف الأزمنة والحدود.
التراث الخليجي بلغة الهوت كوتور
برز هذا التوجه منذ الإطلالة الافتتاحية، حيث استوحى المصمم تفاصيلها من الغترة الخليجية، فأعاد تقديمها برؤية أنثوية راقية، لتصبح رمزًا للقوة والحماية أكثر من كونها قطعة تراثية.
كما استلهم خامات وتفاصيل أخرى من البيئة الصحراوية، فبدت التطريزات اللؤلؤية وكأنها تحاكي جذوع أشجار النخيل، بينما استحضرت بعض النسجات خيام البادية التقليدية، في مزيج جمع بين البساطة الطبيعية والفخامة الراقية التي تميز عالم الهوت كوتور.
حوار بين الشرق والغرب
لم يتوقف الإلهام عند حدود البيئة المحلية، بل امتد إلى تاريخ المنطقة بوصفها ملتقى للحضارات عبر طريق الحرير. فظهرت نقوش مستوحاة من أقمشة الدمشقي، وأعمال التذهيب، والزخارف النباتية التي انتقلت بين الشرق والغرب عبر قرون طويلة، لتؤكد أن الأزياء قادرة على حمل الذاكرة الثقافية بقدر ما تحمل الجمال.
أنوثةراقية
وفي وقت اتجه فيه عدد من عروض الهوت كوتور إلى المبالغة في الأحجام والأشكال النحتية، اختار رامي العلي أن يمنح المرأة أناقة أكثر هدوءًا وانسيابية. فقد جاءت الفساتين بقصات عمودية طويلة تحتضن الجسم برقة، مع درابيهات ناعمة وانزلاقات مدروسة للأقمشة، بدت وكأنها تشكلت بعفوية، بينما كانت في الحقيقة ثمرة دقة عالية في التنفيذ.
هذه البساطة المدروسة هي ما يمنح تصاميمه جاذبيتها؛ فهي لا تبحث عن الإبهار اللحظي، بل عن الأناقة الخالدة التي ترافق المرأة في حضورها، وتمنحها ثقة هادئة لا تحتاج إلى المبالغة لإثبات نفسها.
وفي هذه المجموعة، يؤكد رامي العلي مرة جديدة أن الهوت كوتور لا يقتصر على استعراض المهارات الحرفية، بل يمكن أن يكون رسالة ثقافية أيضًا؛ رسالة تروي قصة الشرق الأوسط من خلال الضوء والرمال والحرف اليدوية، لتقدم للعالم صورة مختلفة عن المنطقة... صورة عنوانها الجمال، والانتماء، والإنسان.