أزياء ابعد من اللباس انها تحف توثق العصر وتضع المصممة Iris Van Herpen على قائمة الابتكار المستعصي.
في كل موسم، تثبت المصممة الهولندية إيريس فان هيربن أن الأزياء الراقية ليست مهارة في الخياطة، بل مختبر حيّ يلتقي فيه الفن بالعلم. أما في مجموعة خريف وشتاء 2026-2027، فقد تجاوزت كل ما عرفناه عن الهوت كوتور، وقدّمت عرضاً بدا أقرب إلى رحلة داخل قوى الكون الخفية، حيث تحوّل البرق والبلازما إلى عناصر تصميم حقيقية تنبض بالحياة.
وسط أرضية غارقة في الضباب الأبيض وإضاءة درامية داخل مسرح "الإليزيه مونمارتر" في باريس، بدت العارضات وكأنهن يخرجن من عالم آخر، يحملن على أجسادهن ظواهر طبيعية لم يسبق أن دخلت عالم الموضة بهذه الجرأة.

حين تتحرك البلازما فوق الجسد
كانت أكثر الإطلالات إدهاشاً فستان تول شفاف يعلوه أكثر من ثلاثين ألف كرة زجاجية منفوخة يدوياً، تتخللها أنابيب زجاجية هلالية مملوءة بالبلازما، المادة نفسها التي تصنع الشفق القطبي والنجوم.
المشهد كان ساحراً؛ فالبلازما لم تكن مجرد عنصر زخرفي، بل كانت تتفاعل مع المجال المغناطيسي لجسد العارضة، فتضيء وتصدر ومضات كهربائية خافتة أثناء الحركة، ليبدو الفستان وكأنه كائن حي يتنفس الضوء.
فستان وُلد من البرق
أما القطعة الأكثر غرابة فكانت فستاناً قصيراً من مادة PMMA الشفافة، صُنع داخل مسرّع للجسيمات ونُقل في صندوق مبرد إلى درجة حرارة تقارب مئة درجة مئوية تحت الصفر.
هذه العملية أنتجت ما يُعرف بأشكال "ليشتنبرغ"، وهي تشعبات كهربائية تشبه أغصان الأشجار أو مجاري الأنهار أو شبكة الأوعية الدموية. لم ترَ فان هيربن فيها مجرد أثر علمي، بل بصمة توحد كل أشكال الحياة، من جذور النباتات إلى الدورة الدموية، ومن الأنهار إلى الطاقة التي تتحرك في السماء.
الطبيعة... لكن من منظور كوني
لطالما استلهمت دور الأزياء الطبيعة، لكن إيريس فان هيربن ذهبت أبعد من الغابات والزهور والبحار، لتبحث عن الإلهام في الفضاء والنجوم والبلازما والظواهر الكونية.
ورغم الطابع التجريبي للمجموعة، لم تغب بصمتها الجمالية المعروفة؛ إذ حضرت الفساتين الهوائية المصنوعة من الأقمشة اليابانية المعلقة بأسلاك دقيقة، كما عادت تصاميم الفقاعات الشهيرة التي أصبحت إحدى أبرز علامات الدار، إلى جانب فساتين الشيفون والحرير المطبوع التي بدت وكأنها تتحرك مع الهواء أكثر مما تتحرك مع الجسد.
الهوت كوتور كمختبر للمستقبل
أكدت المصممة أن فستاني البلازما والبرق لن يُنتجا تجارياً، فهما أقرب إلى أعمال متحفية صُممت لاختبار حدود الإمكانات التقنية والجمالية، وإثبات أن الهوت كوتور ما زال قادراً على ابتكار ما لم يتخيله أحد.
في هذه المجموعة، لم يكن الهدف إبهار العين فحسب، بل إثارة الدهشة والتساؤل حول القوى الطبيعية التي تحيط بنا ولا نفهمها بالكامل.
لقد كانت مجموعة إيريس فان هيربن واحدة من أكثر عروض أسبوع باريس للهوت كوتور سحراً وغرابة، حيث بدا كل فستان وكأنه قطعة من الضوء أو شظية من برق أو جزء من مجرة بعيدة. إنها مجموعة لا تُقاس بعدد التطريزات أو ساعات العمل فقط، بل بقدرتها على إعادة تعريف معنى الأزياء الراقية، حين تصبح الخامة نفسها معجزة، ويغدو العلم لغة جديدة للجمال.