لا يحتاج البحر إلى وحوش أسطورية كي يصبح مخيفًا. أحيانًا يكفي الظلام، والضغط الهائل، والعزلة الكاملة تحت سطح الماء. هذا هو العالم الذي يفتحه الوثائقي السعودي «عُمق» أمام المشاهد، من خلال رحلة الغواص والمغامر السعودي أحمد الجابر، الذي اختار أن يعمل في واحدة من أكثر المهن البحرية خطورة.
الفيلم، المتاح حاليًا على منصة نتفليكس، يبتعد عن الصورة التقليدية للغوص بوصفه هواية أو مغامرة، ويدخل إلى عالم الغوص التجاري التشبّعي، حيث ينزل الغواصون إلى أعماق كبيرة لتنفيذ أعمال مرتبطة بالمنشآت وخطوط النفط تحت سطح البحر، في ظروف تتطلب إعدادًا متخصصًا وقدرة استثنائية على التعامل مع الضغط والعزلة.
رعب البحر غير!
— Netflix MENA (@NetflixMENA) September 10, 2026
وثائقي “عمق” يتكلم عن رحلة الغواص والمغامر السعودي أحمد الجابر، وكيف يواجه المخاطر الحقيقية في أعماق البحر. يُعرض الآن على نتفليكس. pic.twitter.com/08oASiUbKF
أحمد الجابر.. الرجل الذي اختار العيش تحت ضغط البحر
تتمحور أحداث «عُمق» حول أحمد الجابر، الذي انتقل من بيئة زراعية في الأحساء إلى عالم الغوص التجاري، ليصبح لاحقًا أحد الغواصين السعوديين الذين خاضوا تجارب على أعماق كبيرة.
ولا تكمن صعوبة عمله في الوصول إلى قاع البحر فقط، فالغوص التشبّعي يقوم على إبقاء الغواص في بيئة مضغوطة لفترات طويلة، بما يسمح له بتنفيذ أعماله في الأعماق من دون تكرار عمليات الصعود والهبوط مع كل مهمة. وبعد انتهاء فترة العمل، تبدأ مرحلة أخرى شديدة الحساسية، وهي عملية فك الضغط بصورة تدريجية ومدروسة.
147 مترًا تحت سطح البحر.. تجربة لا تشبه الغوص العادي
تحدث أحمد الجابر في مقابلات سابقة عن تجارب غوص وصل خلالها إلى عمق 147 مترًا تحت سطح البحر، وهو عمق يضع جسم الإنسان أمام ظروف مختلفة جذريًا عن تلك التي يواجهها الغواص الترفيهي.
في هذه الأعماق، لا يعود البحر مجرد مساحة للسباحة والاستكشاف. الضغط يرتفع بشكل كبير، والرؤية قد تصبح محدودة، وأي مشكلة في معدات الغوص أو الاتصال أو إجراءات السلامة يمكن أن تتحول إلى موقف بالغ الخطورة.

حادث في بداية الطريق كاد ينهي حياة أحمد الجابر
من أكثر التجارب التي رواها الجابر عن مسيرته حادث وقع في بداياته، عندما مرت سفينة ضخمة فوق القارب الذي كان ينطلق منه للغوص.
الموقف كشف له مبكرًا حجم الخطر الذي قد تمثله السفن على الغواصين الموجودين تحت سطح الماء. واضطر الجابر إلى الصعود بسرعة، بينما عاش أفراد فريقه لحظات من الخوف الشديد.
وبحسب روايته، تركت تلك الحادثة أثرًا كبيرًا لديه، وجعلته أكثر إدراكًا للمخاطر التي قد لا يراها الإنسان من فوق سطح البحر، لكنها تصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى شخص يعمل تحته.
الغوص التشبّعي.. حين لا ينتهي العمل بالخروج من الماء
أحد أكثر الجوانب إثارة في قصة «عُمق» هو طبيعة الغوص التشبّعي نفسه. فالغواص لا يدخل البحر ثم يعود إلى السطح وينتهي يوم عمله كما يحدث في الغوص الترفيهي.
خلال فترات العمل، يعيش الغواصون في أنظمة ضغط خاصة، ويخضعون لإجراءات دقيقة بسبب الغازات التي يمتصها الجسم تحت الضغط. لذلك فإن العودة إلى الضغط الطبيعي تحتاج إلى وقت وإجراءات محسوبة لتجنب الإصابة بأمراض فك الضغط.
وهذا يجعل المهنة اختبارًا مستمرًا للقدرة الجسدية والنفسية، وليس مجرد مغامرة تحت الماء.

من الأحساء إلى عالم النفط والأعماق
تزداد خصوصية قصة أحمد الجابر لأن بدايته لم تكن مرتبطة بعالم البحر من الأساس. فقد نشأ في الأحساء، قبل أن يأخذه مساره المهني إلى عالم مختلف تمامًا، حيث أصبحت الأعماق جزءًا من حياته اليومية.
ومن خلال تجربته، يحاول الفيلم الاقتراب من الإنسان الموجود خلف معدات الغوص: ماذا يدفع شخصًا إلى اختيار مهنة بهذه الخطورة؟ وكيف يتعامل مع الخوف عندما يصبح البحر مكان عمله؟
«عُمق».. عندما يصبح البحر هو مصدر الخطر الحقيقي
لا يعتمد الوثائقي على عنصر التشويق من خلال الكائنات البحرية أو قصص الرعب التقليدية، بل يستمد توتره من واقع أكثر قسوة: إنسان وحيد في أعماق البحر، محاط بالظلام، يعمل تحت ضغط هائل، ويعرف أن سلامته تعتمد على المعدات والتدريب والانضباط.
وهنا تكمن قوة «عُمق». الفيلم لا يحاول أن يجعل البحر مخيفًا من خلال المبالغة، بل يترك للمشاهد فرصة اكتشاف أن الواقع نفسه أكثر إثارة للقلق مما يتخيل.
من مهرجان أفلام السعودية إلى نتفليكس
بدأ «عُمق» رحلته من خلال مهرجان أفلام السعودية، قبل أن يصل إلى العرض التجاري في المملكة، ثم إلى منصة نتفليكس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال سبتمبر 2026.
الفيلم من إنتاج Basar Media، ومن إخراج وإنتاج عبدالرحمن صندقجي، ويركز على تجربة أحمد الجابر بوصفها مدخلًا إلى عالم الغوص التجاري والأعمال التي تُنفذ في أعماق البحر.
وبينما يشاهد الجمهور صور الأعماق على الشاشة، تكشف قصة أحمد الجابر جانبًا من عالم لا يراه معظم الناس أبدًا: عالم يعمل فيه الإنسان تحت سطح البحر، بعيدًا عن الضوء والهواء والمساحة الآمنة التي اعتاد عليها.
«عُمق» ليس مجرد فيلم عن الغوص، بل رحلة إلى المكان الذي تنتهي عنده حدود البحر المألوف، ويبدأ عالم آخر تحكمه قواعد مختلفة تمامًا.