في عالم السينما العالمية، قليلة هي الأسماء التي تملك جُرأة المغامرة بميزانيات ضخمة لتقديم أعمال تاريخية ملحمية، ويأتي المخرج كريستوفر نولان لفيلم الاوديسية في مقدمة هؤلاء المخرجين الذين يحولون كل شريط سينمائي إلى حدث يتناقله الشارع الفني. في أحدث مشاريعه التاريخية الضخمة التي رُصدت لها ميزانية إنتاجية هائلة بلغت زهاء 250 مليون دولار، ينطلق نولان ليعيد رسم ملامح الحقبات التاريخية بأسلوب بصري ثقيل، جامعاً تحته نخبة من ألمع نجوم هوليوود بأجور خيالية تعكس حجم هذا الرهان.

وقد تصدر قائمة الأجور النجم مات ديمون بـ 15 مليون دولار ليقود هذه الملحمة، يليه الشاب توم هولاند بأجر بلغ 10 ملايين دولار، بينما تقاضى كل من روبرت باتينسون وآن هاثاواي نحو 7 ملايين دولار لكل منهما، في حين تقاضت النجمة زندايا قرابة 5 ملايين دولار، وسط تكتم حول تفاصيل العوائد والإضافات الفردية لكل بطل.


أبطال في صدارة الملحمة.. وحضور خاطف يُخيب التوقعات
على الرغم من القائمة الزاخرة بالأسماء الرنانة، إلا أن المساحات الدرامية على الشاشة جاءت متفاوتة إلى حد يثير التساؤل؛ فقد حمل مات ديمون وتوم هولاند عبء العمل الأكبر وسرقا الكاميرا بتجسيدهما لأدوار البطولة الرئيسية، مما أضفى قوة أدائية واضحة على خطوط الأحداث.
في المقابل، شكل حضور بعض النجمات حالة من التباين لدى الجمهور؛ فبينما حظيت آن هاثاواي بمساحة متواضعة لكنها أرفع نسبياً، جاء ظهور النجمة زندايا خاطفاً للغاية لا يتعدى البرهات ولا يتناسب مع الحجم الجماهيري والأجر المرصود لها، ليترك المتابع في حالة انتظار لشخصية لم تأخذ حقها كاملاً في حبكة الفيلم.

ثلاث ساعات من المبالغة.. والعنف الذي يغمر الشاشة
من الناحية الإخراجية والبنيوية، يُسجل للفيلم جرأته البصرية، لكنه يسقط في فخ الطول المفرط؛ إذ يمتد العمل لنحو ثلاث ساعات كاملة يبدو الكثير منها مبالغاً فيه ومحشواً بتفاصيل كان يمكن الاختزال فيها لتفادي الرتابة وإجهاد المشاهد.
ولم يتوقف الإرهاق عند حدود الوقت فحسب، بل امتد إلى منسوب القسوة؛ حيث أغرق نولان مشاهده في مشاهد عنف متواصلة وغزيرة طغت على العديد من المفاصل الحوارية، مما جعل تجربة المشاهدة حادة وقاسية تتطلب طاقة عالية لمتابعتها حتى النهاية.
الموسيقى التصويرية: طوق النجاة والطفلة المدللة للفيلم
وسط ركام العنف المفرط والساعات الممتدة، جاءت الموسيقى التصويرية لتكون النقطة الأجمل والأكثر إشراقاً في هذا الشريط السينمائي. لقد نجحت المقطوعات الموسيقية في لعب دور البطل الخفي، فكانت بمثابة بلسم يداوي قسوة المشاهد، وطوق نجاة يُعيد الشغف للمُشاهد كلما كاد الإيقاع أن يترنح.
استطاعت النغمات الملحمية أن تحمل العمق الإنساني المفقود بين زخات العنف، ليخرج المتابع من الصالة وهو يحمل في ذاكرته تلك السيمفونية الساحرة التي أنقذت العمل، وأكدت أن الفن الصوتي قادر أحياناً على إكمال ما أفسدته الإطالة.