لقد ملّ العالم من الكمال والتصنع والفلاتر فعادوا الى زمن الحقيقة والطبيعية. موجة الثمانينات ترفع صوتها وتصلنا كترداد صدى يحتل الحاضر ويحكي عن جمال الأمس وقيمته.
هناك شيء غريب وجميل يحدث الآن. نحن في زمن الذكاء الاصطناعي، والفلاتر، والصور التي يمكن تعديلها في ثوانٍ، نعود فجأة إلى الثمانينيات... نعيد تسريحات الشعر والغرر الكبيرة، والألوان الصارخة والأكتاف العريضة ، والملابس المبالغ فيها زركشة وضجيجا. فنانون يستخدمون الذكاء الاصطناعي ليشبهوا زمناً حقيقيا كان موجوداً.
في ذاك الزمن أي قبل 40 عاماً. كانت الوجوه تبدو كما هي مغسولة من كل شيء لا مبضع تجميل ولا حقن تنفيخ ولا فلاتر منعمة. زمن كان بلا معارك تجميلية .لم تكن كل تجعيدة تحتاج إلى معركة، ولا كل علامة عمر إلى حقنة. كانت هناك عيوب صغيرة، وملامح مختلفة، ووجوه لا تتشابه بالضرورة مع بعضها. كانت النجمة تعرف أن جمالها يكمن في خصوصيتها، لا في قدرتها على الاقتراب من وجه مثالي واحد.
كانت الصورة تعتمد على الوجه وعلى المصور الحذق وعلى اخصائي المكياج. علما هذا الأخير كانت مهمته صعبة. بين جرأة الألوان الفاقعة.
كانت الثمانينيات عقداً لا يخاف من اللون. الأصفر، الوردي، الأزرق، الأخضر والأحمر كانت حاضرة بقوة، إلى جانب الأكتاف العريضة، الخصر المحدد، الأقمشة اللامعة والنقوش الجريئة. أما الشعر فكان حكاية أخرى: كثيفاً، منفوشاً، وغالباً ما ترافقه الغُرّة التي أصبحت واحدة من أكثر علامات تلك الحقبة وضوحاً. لم تكن الإطلالة فيها خفر بل إطلالة تفرض نفسها بقوة اللون وبحدودها النافرة الحادة موضة واضحة عندها كل المقومات لتقول هذه انا.
موضة اليوم اكثر تعقيداً
أما اليوم، فقد أصبحت الموضة أكثر تعقيداً، وأكثر شخصية أيضاً. وهذا تطور جميل. لم يعد هناك اتجاه واحد يفرض نفسه على الجميع، وأصبح لكل شخص الحق في بناء هويته البصرية كما يريد. لكن الصورة نفسها أصبحت أكثر قسوة. صورة لا تقبل العمر لا تقبل الجمال الأقل صورة تريد المثالية لذا باتت الوجوه متشابهة واشكالها متطابقة بأنفها وشفاهها وشكل خدودها.
نحن نعيش في عصر لا يسمح للوجه بأن يكبر بهدوء.
الفلاتر جعلت البشرة بلا مسام، والتقنيات التجميلية جعلت الملامح قابلة للتعديل، والحقن والتنفيخ والتحديد أصبحت جزءاً من منظومة الجمال المعاصرة. لا مشكلة في أن يختار الإنسان ما يجعله أكثر رضاً عن نفسه، فالجمال لطالما كان مساحة شخصية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحفاظ على الشباب إلى سباق، وعندما يصبح التقدم في العمر شيئاً يجب إخفاؤه بدلاً من أن يكون جزءاً طبيعياً من الحياة.
كأننا لم نعد نريد أن نكبر... بل نريد أن نبقى في العمر نفسه إلى الأبد.
ومن هنا تبدو العودة إلى الثمانينيات مثيرة للاهتمام. فنحن لا نستعيد فقط الفستان أو تسريحة الشعر أو الغُرّة، بل نستعيد صورة كانت أقل خوفاً من الزمن وأقل هوساً بالكمال.
وقد شارك عدد من الفنانين العرب في هذه الموجة، فعادوا عبر الصور الرقمية إلى زمن الثمانينيات، وكأنهم يستعيدون نسخاً قديمة من أنفسهم أو يعيشون زمناً لم يعيشوه أصلاً.لكن هناك فنانين لا يحتاجون إلى الذكاء الاصطناعي كي يعودوا.
عمرو دياب، يسرا وليلى علوي ينتمون إلى ذلك الجيل الذي عاش الثمانينيات فعلاً، وظهرت وجوهه أمامنا قبل أن تصبح الكاميرا عالية الدقة وقبل أن تصبح الصورة قابلة للتعديل بهذا الشكل. وعندما نراهم اليوم، فإننا لا نرى مجرد «ترند» للعودة إلى الماضي، بل نرى ذاكرة حقيقية تتجسد أمامنا.
ربما تغيرت ملامحهم، وربما مرّ الزمن عليهم كما يمر على الجميع، لكن هذا تحديداً ما يجعل حضورهم مختلفاً: الزمن لم يمحُ تاريخ وجوههم.بل جعلهم ضمن قائمة قبل الثمانينات وبعدها.
ومن يحنّ من الجيل الجديد إلى ذلك الزمن، زمن كانت تسوده العفوية والطبيعية، عليه أن يدرك أن الأمس كان أكثر صدقاً وأقل افتعالاً. ومنه، ربما، نستطيع أن نتعلم الدرس الأجمل: أن نترك للزمن حريته في أن يكتب ملامحه على وجوهنا، وأن نتعلم كيف نكبر من دون أن نخاف من أعمارنا، وكيف نرى في التغيّر جزءاً من جمالنا، لا عيباً يجب إخفاؤه.