TRENDING
Reviews

"شربل" لنديم مهنا: سينما الروح وتجليات الزهد ..حين تتكفل الصورة بالمعنى


غَمَرَ الدمعُ صالةَ السينما حين أُسدِلَ الستارُ عن فيلم "شربل" للمخرج نديم مهنا، عن نصٍّ للكاتبة كلوديا مرشليان. غيرَ أن الحقيقةَ التي يخرجُ بها المتابع تُؤكّد أن الفيلمَ لم يكن بِنَصّه بَراقاً بمقدار ما كان خطاً مساعداً لتجسيد حقباتٍ زمنية؛ الحكايةُ الحقيقية كَمَنَت في اقتناص الروح، ونقل عدوى الإحساس، وخطف المشاهد إلى عوالمَ أخرى.


لقد نجح العملُ في تحويل السينما إلى حالة دخولٍ في التجلي، وتنسمِ روائح البخور، وتجسيد تلك الغربة الوجودية التي تصيبُ الإنسان في رحلته. شربل، كما قدّمه الفيلم عبر أربع شخصيات تناوبت على تجسيد حياته من الطفولة حتى الممات—حيث قدّم كل ممثلٍ نهجاً خاصاً أفضى ببراعة إلى نضج الشخصية وأدائها النهائي—رجلٌ هائمٌ في الأرض، مترفعٌ وغائبٌ عن زيف الكون، يسلك دروباً أشبه بمسالك السماء. فيلمٌ "جوانيٌّ" روحاني، كلماته قليلة ومواقفه عاتية، وإرادة بطلِهِ صلبة تُفككُ عقد البحث للوصول إلى الغاية الأسمى.



تنقر مشاهد الفيلم على شغاف الروح، وتُعيدنا إلى لحظات تجمع بين الصفاء والتمرد؛ صفاءٍ تامٍّ فيما يريده شربل، وتمردٍ حاسمٍ على كل ما حوله. فالقديسُ الذي تمرد على العائلة والتقاليد، شقّ دربه وسط المعاناة ليمضي نحو حريته المطلقة في جوار الله. سمع الكلام القاسي والتوبيخ، لكنه استمرّ يَعرفُ طريقه بوضوح، حتى وإن تاه في عتمة الرحلة أو تملّكه الخوف؛ وصل إلى صومعته الباردة ومحبسته، ليعيش حراً بعيداً عن خلق الله، يخدمهم بجهده ويحيا سعيداً على خبزٍ يابسٍ وبصل، أو على الجوع نفسه.

إحدى أجمل معالجات الفيلم البصرية؛ عندما تتوازن قسوة العيش وجلافة المحبسة مع الرحابة الساحرة للطبيعة اللبنانية. فالطبيعة بكاميرا نديم مهنا كانت اكثر من مشاهِد خلفية، كانت وِجداناً حياً وخلفيةً ناعمة تُخفف من قسوة التقشف، وترسل رسائل من الدفء والامتداد الروحي. تحركت الكاميرا بشاعريّة بين الجبل والوهاد، لتلتقط نظراتٍ ومواقف تعجز الكلمات عن إحصائها. أما الموسيقى التصويرية، فقد تكفلت بوشم الروح وتخليد الإحساس وصولاً إلى الدمع والانصهار، هابطةً في الأذن لِتَنْقُشَ مشاهد التضحية والعطاء، وكأنّ بهذا العذاب ينجو الإنسان من طين الحياة ليحلّق في فضائها.


الزهدُ هنا هو كل شيء.. الحياةُ الضامرةُ القليلة هي مِعْراجٌ آخر نحو التجلي الذي لا يحتاج إلى وصفٍ أو كلام، بل إلى مشاعر صافية. وهذا ما وصل إليه الفيلم ببراعة: تجسيد القليل الذي صار كثيراً، والألم الذي تحوّل إلى فرح، والنوم البارد على الأرض وقصب الوخز الذي استحال نجاةً وخلاصاً.

يأخذ الفيلمُ مشاهِدَه في رحلةٍ نحو عذوبة الأرض وتلالها ومواسمها، مُجسّداً المفهوم العميق للطاعة—تلك الطاعة التي تتحول إلى أمرٍ وإعجازٍ وقداسة، لتغدو ملاذاً للمرضى والفقراء، وأغْنياءِ المال الذين يشترون كل شيء إلا الصحة، فتتدخل الطاعة الإلهية لِتكون هي الدواء الشافي.

"شربل" يضعنا أمام المقلب الآخر من الحياة: حين يصبح الهروب ملاذاً، والجوع شبعاً، والتجربة إصراراً. يُصيبُ المتابعَ بعدوى السكون، فهو يجسد صمت رجلٍ مرّ منذ مئتي عام وبقي فينا يصنع عجائبه. مشهدٌ واحد تُطالعنا به الكاميرا في وادي قنوبين، أو صخر عنايا، أو كروم ميفوق، كفيلٌ بأن يجعل الأرض تدور بنا، ليَنقُلَنا رأساً نحو غيم الحلم.

وفي عصرنا هذا الممتلئ بالضجيج والماديات والركض الخاطف خلف الوهم، يأتي هذا الفيلم ليكون استراحة روحية وملاذاً؛ يذكرنا بشخصية شربل الزاهدة والمطيعة التي، بحسابات المادة، تخلت عن كل شيء.. ولكنها في جوهر الحقيقة نالت كل شيء، وخلّصت نفسها والآخرين.