TRENDING

ابتسم، فأنت في حضرة الصوت المرح! هكذا تبدو حكاية الأغنية الجديدة للنجمة نانسي عجرم "بستفزك"، العمل الذي يغمرك منذ اللحظة الأولى بنغمة سعادة خفيفة ومرحة، لا تدع للمستمع خياراً سوى أن يبتسم ويسلم أذنيه لعذوبة أداءٍ ينبض بالحياة.

فنانة من عرق الناس

تثبت نانسي مجدداً قُدرتها الفذة على بث الفرح ونشره على طريقتها الخاصة. هنا تنزل فنانة المسارح الكبرى إلى حارات الناس، تلامس عرقهم وتعيش تفاصيل يومياتهم البسيطة؛ بائعة الحلويات التي تخبرنا بذكاء ومشاكسة أنها قبل سنوات كانت بائعة البطيخ في "ما تجي هنا"، لتغير "المصلحة" وتنتقل من حلاوة الفاكهة إلى طعامة الحلوى.

لا تأبه نانسي أن تكون نسيجاً شعبياً طازجاً، تقود الجمهور نحو خامة صوتها الشقية بدلع لا ينضب، ورقة أداء متفردة، وطفولة فكرة تعلِق في السمع من النغمة الأولى.


جرأة العين

تجمع نانسي في المشهد بين الحمرة القوية الثائرة، والثوب القصير المليء بالحيوية، وحركات التحدي والدلال العفوي.. غير أن هذه "البساطة" الظاهرة تُخفي خلفها رسالة نقدية ثقيلة في المعنى وبالغة التحرر؛ رسالة تحاكي كبرياء الذات والحرية النسوية في أزهى صورها الأنيقة.

تغني نانسي بثقة متناهية: "بعتذر للإيجو اللي اتدشدش لما أنا طلعلي صوت... فستاني غالي لاني لبسته بقى بيساوي كنوز".

هنا تتحول الأغنية إلى مانيفستو حقيقي للذات؛ الذات التي تعرف قدر قيمتها دون الحاجة للاستهتار بالآخرين ("مش قصدي أهز أرضك أنا بس قصدي أكون")، لتنطلق نحو طموح بحجم السماء، وتتجاوز المظاهر المادية البحتة ("مش عايزة ألماظ ولا شبكة.. أنا عايزة ألف العالم لفة").

هوية جامعة

وما يعزز طاقة الأغنية ويمنحها روحاً عربية جامعة هي تلك التنقلات الذكية الممتعة بين اللهجات والنغمات؛ فمن شقاوة الحوار المصري ("شوفلك سكة")، إلى خفة التونسي ("نقولها هكا")، وصولاً إلى عنفوان الدبكة اللبنانية وهزجها المألوف..

كلها مفردات تُصاغ تحت عنوان "الاستفزاز"، لكنه استفزاز محبب لا يسعى للصدام بل للاستقلال وكسر القيود المكبوتة بروح ضاحكة.


سلاح الرقة يغدو تحديا

"بستفزك" الاغنية السريعة المليئة بالفرح ، تحمل فيها ذاك التناقض الفريد بين تجسيد سينمائي وغنائي لحقيقة الفرح الذي يمكن أن يكون سلاحاً في وجه الصرامة.

وأن أرق الأصوات وأكثرها دلعاً وأنوثة قد تحمل في طياتها أصلب مواقف الثقة والتحدي. نانسي عجرم تغني للحرية، وتطير بنا في غيمة من الفرح الراقص الذي يصنع في روح المستمع وشماً من البهجة لا يُنسى.


المخرج المبدع

أعاد المخرج اللبناني جو بو عيد صياغة الحنين البصري بذكاء مذهل؛ فحين تبدأ أغنية "بستفزك" بتلقي نانسي اتصالاً يسألها عن البطيخ—تيمنًا بأيقونتها الشهيرة "ما تيجي هنا" التي قدمتها قبل اثني عشر عاماً بإدارة جو بو عيد أيضاً—لتجيب بابتسامة وثقة: "لا يا عيني، غيرنا المصلحة" وتتحول إلى بائعة حلويات، يشعر المتابع كأنه أمام جزء ثاني مكتمل الأركان لقصة بدأت قبل سنوات.


نجح جو بو عيد في تصوير هذا العمل كأنه فيلم قصير متكامل الأركان، ينبض بالحياة داخل الحارات الشعبية، مترع بالعفوية والألوان الحية والدفء البصري الذي يقرّب الفنانة من نبض الشارع وعرق الناس.

هذا النجاح البصري والحركي تمازج بانسجام مع طاقة الأغنية التي كتبتها ببراعة الشاعرة منة القيعي، ولحنها بذكاء عزيز الشافعي، بينما تولى التوزيع والميكساج جلال الحمداوي، وأعمال الماسترينغ روجيه أبي عقل. ليقدم الفريق عملاً جماعياً ينبض بالسعادة والتحدي الأنيق.