بعد رحيل هلي الرحباني، تتكشّف شهادات إنسانية نادرة تعيد رسم صورة فيروز بعيدًا من الأسطورة والصوت، وتقرّبها أكثر إلى جوهر الأمومة. شهادة الإعلامي ريكاردو كرم، التي كتبها بعد وفاة هلي، تقدّم واحدة من أصدق الروايات عن علاقة فيروز بابنها، وعن قرارات صامتة شكّلت حياته وحياتها معًا.
مشروع إنساني وقرار أمومي حاسم
في أوائل السبعينيات، بدأ حديث جدي في بيروت بين عائلات تعيش الوجع نفسه: إنشاء مركز متخصّص للأطفال ذوي الإعاقات المشابهة لحالة هلي الرحباني. كان الاعتقاد السائد أن دعم فيروز العلني قد يمنح المشروع قوة حاسمة، فزارتها مجموعة من الأهالي طالبة انضمامها. جاء ردّها صادمًا لتوقعاتهم وبسيطًا في آن: ابنها لن يغادر البيت، وهي ستتولى رعايته بنفسها. لكنها، في المقابل، أبدت استعدادها لدعم المشروع ماديًا من عائدات حفلاتها. المشروع لم يولد يومها، إذ اندلعت الحرب اللبنانية ودفنت الفكرة.

رفض متكرر لكل حلول «الإبعاد»
في منتصف الثمانينيات، خلال حفلاتها في لندن، عاد الطرح بشكل مختلف. أصدقاء اقترحوا نقل هلي إلى أحد أهم المراكز المتخصّصة في بريطانيا، معتبرين أن الوقت حان وأن العبء أصبح ثقيلاً. كان جواب فيروز هادئًا وحاسمًا: «أبدًا. ما دمت حيّة، سيبقى معي». جملة واحدة أنهت أي نقاش، ورسّخت خيارها النهائي.
هلي في البيت… إنسان كامل الحضور
ريكاردو كرم يروي من تجربته الشخصية كيف كان هلي حاضرًا في بيت فيروز، لا مخفيًا ولا معزولًا. يدخل صالة الاستقبال على كرسيه المتحرّك، فتنهض فيروز فورًا، وكأن جسدها اعتاد أن يسبقه إليه. كان جزءًا من المكان والحوار، لا استثناءً ولا حالة خاصة.
مشهد لا يُنسى: حين تخاف الأم
من أكثر اللحظات تأثيرًا، يصف كرم يومًا بدأ فيه هلي يسعل بإيقاع سريع. لحظة أربكت الجميع، حتى فيروز نفسها. خافت، ارتبكت، ربّتت على ظهره، ثم تحوّل خوفها إلى حنانٍ مرتجف: لمست وجهه، مسحت رأسه، قبّلته مرارًا، كأن قبلات الأم قادرة على إعادة الهواء إلى صدر ابنها. مشهد يقول كرم إنه رآه بعينيه، لا رواية منقولة.

ما بعد الرحيل: معنى لا يزول
برحيل هلي، يلتحق بعاصي وليال وزياد، لكن القصة التي تبقى هي قصة أم لم تفوّض قلبها لأحد. فيروز، التي دعمت مشاريع عامة وخدمت المجتمع بصوتها ومالها، آمنت داخل بيتها بحقيقة واحدة: ابنها ليس ملفًا، ولا حالة، ولا عبئًا يُنقل. كان البيت بيته، وكانت هي وطنه الأقرب، بكل خوفها وحنانها ووجودها.