مع عودة اسم جيفري إبستين إلى عناوين الأخبار وملفات المحاكم خلال الأسبوع الماضي، عاد فيلم «عيون مغلقة على اتساعها» (Eyes Wide Shut) للمخرج ستانلي كوبريك، الصادر عام 1999، ليتصدر النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ربط مستخدمون بين مشاهد الفيلم وبعض التفاصيل البصرية المرتبطة بقضية إبستين المثيرة للجدل.
مقارنات بين السينما والواقع.. من القصور إلى دوائر النفوذ
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصورًا ثابتة من الفيلم، مشيرين إلى أوجه تشابه مع الصور الواقعية التي ظهرت في قضية إبستين، خاصة ما يتعلق بالعقارات الفخمة، والتجمعات المغلقة، وحضور شخصيات نافذة، وأجواء السرية التي تحيط بعالم الثراء والسلطة.
وبدا الربط في نظر البعض منطقيًا، إذ يتقاطع الفيلم والقضية في طرح أسئلة حول حصانة النخب، والنفوذ، وإمكانية العمل خارج نطاق المساءلة العامة. غير أن الجدل تجاوز مجرد التشبيه الرمزي، ليتحول إلى محاولة قراءة تفاصيل دقيقة، مثل الهندسة المعمارية وقواعد الزي، باعتبارها أدلة على تشابه عميق بين الواقع والفيلم.
لغة بصرية مشتركة تعيد إنتاج الشك
مع انتشار شهادات جديدة وسجلات الرحلات الجوية والصور المرتبطة بقضية إبستين، بدأت تتشكل لغة بصرية مألوفة تشبه إلى حد كبير أجواء فيلم «Eyes Wide Shut»، من القصور ذات المداخل المراقبة، إلى المشاركين المجهولين، والصمت الجماعي الذي يلف الشهود.
هذا التداخل بين الواقع والخيال خلق مساحة سردية يتغذى فيها كل طرف على الآخر، حيث يمنح الفيلم بعدًا دراميًا للقضية، بينما تضفي القضية الواقعية إحساسًا جديدًا بالمصداقية على الفيلم.
غياب الثقة في الروايات الرسمية وراء عودة الفيلم
لا تعكس عودة الفيلم إلى دائرة الضوء وجود أدلة حقيقية تربطه بجرائم إبستين، بقدر ما تعكس شعورًا عامًا متناميًا بانعدام الثقة في السرديات الرسمية، خاصة عندما تبدو المعلومات الصادرة عن الجهات المعنية غير مكتملة أو غير مقنعة للرأي العام.
وبهذا المعنى، تحوّل الفيلم إلى أداة ثقافية يستعين بها الجمهور لفهم فضائح السلطة، حين يعجز الخطاب الرسمي عن تقديم إجابات شافية.
فيلم أربك النقاد منذ عرضه الأول
عند عرضه عام 1999، أثار فيلم «عيون مغلقة على اتساعها» بطولة توم كروز ونيكول كيدمان انقسامًا حادًا بين النقاد والجمهور، إذ بدا من الصعب تصنيفه بدقة بين كونه فيلم إثارة، أو دراما نفسية، أو عملا اجتماعيا محملا بالرموز والدلالات.

قصة الفيلم.. رحلة في الهشاشة الطبقية والاضطراب النفسي
تدور أحداث الفيلم حول الدكتور بيل هارفورد، الطبيب الثري في نيويورك، الذي تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد اعتراف زوجته بخيانة عاطفية في الخيال، لينطلق في جولة ليلية طويلة داخل المدينة، يواجه خلالها عوالم متناقضة من الإغراء، والطبقية، والعلاقات القائمة على المصالح.
وتصل القصة إلى ذروتها عندما يتسلل بطريق الخطأ إلى تجمع سري لمجموعة من الأشخاص الملثمين داخل قصر منعزل، في واحد من أكثر مشاهد الفيلم إثارة للجدل والخيال الجماعي.
من رواية نمساوية إلى فيلم أمريكي غامض
استند ستانلي كوبريك في الفيلم إلى رواية «قصة حلم» (Dream Story) الصادرة عام 1926 للكاتب النمساوي آرثر شنيتزلر، والتي ركزت أساسًا على الغيرة الزوجية واضطراب الهوية البرجوازية، دون التطرق إلى نظريات المؤامرة أو الجمعيات السرية.
لكن كوبريك أعاد صياغة النص في سياق أمريكي معاصر، مستخدمًا الإضاءة، وموسيقى عيد الميلاد، والتكرار البصري، ليخلق حالة دائمة من القلق وعدم اليقين، مع الامتناع المتعمد عن تقديم إجابات واضحة حول طبيعة المجموعة السرية أو حقيقة التهديد الذي يواجه البطل.
مشاهد مفصلية صنعت الأسطورة
يعتمد الفيلم على مجموعة مشاهد محورية، أبرزها حفلة زيغلر، حيث يُستدعى الدكتور بيل للتعامل مع امرأة فاقدة للوعي في سياق احتفالي لا يتوقف، ما يعكس مناخًا من الرفاهية القادرة على امتصاص الانتهاكات دون مساءلة.
وفي مشهد آخر، يعترف عازف البيانو بأنه يعمل في حفلات خاصة معصوب العينين، قبل أن يبلغ الفيلم ذروته الرمزية في مشهد القصر، حيث الدخول بكلمة مرور، والمراقبة الهرمية، والصمت الجماعي، في طقس يبدو منظمًا ومخيفًا في آن واحد.

الأقنعة والطقوس.. بين الفن ونظريات المؤامرة
أثار مشهد الأقنعة الطويل، المصحوب بموسيقى كورالية غريبة، موجة من التفسيرات التآمرية التي وصفت المشهد بأنه يشبه «طقوسًا شيطانية»، وهو وصف ظل ملازمًا للفيلم لعقود.
في الواقع، استخدم المؤلف الموسيقي جوسلين بوك نمطًا صوتيًا مستوحى من الترانيم المسيحية بعد التلاعب به لإحداث شعور بالارتباك النفسي، وليس لمحاكاة طقوس سحرية أو شعائر خفية.
أما التصميم البصري فاستلهم تقاليد الحفلات التنكرية الأوروبية ورموز الجمعيات السرية والإخراج المسرحي الكلاسيكي، وهي عناصر سينمائية معروفة تُستخدم للإيحاء بالتسلسل الهرمي والعزلة والسلطة.
كوبريك.. مخرج ترك أبواب التأويل مفتوحة
لم يكن ستانلي كوبريك من المخرجين الذين يفسرون أعمالهم علنًا، بل تعمد ترك فيلمه مفتوحًا على قراءات متعددة، وهو ما ساهم في تحوله من عمل سينمائي إلى «ميم ثقافي» يُستدعى كلما اهتزت ثقة الجمهور في السلطة والنخب.
أفلام تعود مع كل أزمة ثقة
ينضم «Eyes Wide Shut» إلى قائمة أفلام تعود للواجهة في لحظات الشك الجماعي، من بينها:
«The Parallax View» (1974) مع تصاعد الجدل حول الاغتيالات السياسية.
«All the President’s Men» (1976) عند الحديث عن دور الصحافة في مواجهة الدولة العميقة.
«Chinatown» (1974) في نقاشات تواطؤ المال والقانون.
«The Truman Show» (1998) مع تصاعد القلق من المراقبة والواقع المصنّع.
«Joker» (2019) في لحظات الغضب الاجتماعي والشعور بالإقصاء.
تتحول هذه الأعمال إلى مرايا زمنية يعكس فيها الجمهور مخاوفه وأسئلته، ولهذا تعود دائمًا حين يبدو الواقع أكثر غرابة من الخيال.