لم تكن مقابلة جيفري إبستين التي أعيد تداولها مؤخرًا مجرد مادة أرشيفية عابرة، بل وثيقة كاشفة لطريقة تفكير رجل شكّل أحد أكثر الملفات إظلامًا في العقود الأخيرة. مشاهدة مقابلة كاملة له، دون اقتطاع أو عناوين مثيرة، تضع المشاهد أمام تجربة مختلفة: ليس إعجابًا ولا تعاطفًا، بل محاولة لفهم كيف يقدّم شخص متهم بجرائم جسيمة نفسه للعالم.
ذكاء حاضر… دون أن يكون مبررًا
يظهر إبستين خلال المقابلة بقدرة واضحة على النقاش والتحليل، خصوصًا عند تناوله موضوعات علمية وفلسفية. حديثه منظم، لغته دقيقة، وانتقاله بين الأفكار والمراجع يتم بسلاسة. هذه السمات لا تعني الإشادة به بقدر ما تفسّر سبب حضوره في دوائر أكاديمية ونخبوية، وقدرته على كسب اهتمام شخصيات مؤثرة.
غير أن هذا الحضور الذهني لا يمكن فصله عن السياق الأخلاقي الأوسع. فالذكاء، في هذه الحالة، ليس قيمة مستقلة، بل أداة استُخدمت لبناء شبكة نفوذ، وتطبيع علاقة مع مؤسسات وأفراد تجاهلوا – أو اختاروا تجاهل – الأسئلة الأخطر.

انقسام واضح في طريقة الخطاب
أحد أبرز ما تكشفه المقابلة هو التباين الحاد في أسلوب إبستين عند الانتقال من الأسئلة النظرية إلى الأخلاقية. ففي القضايا العلمية، يبدو واثقًا ومباشرًا. أما عند الحديث عن المسؤولية الأخلاقية أو أفعاله الشخصية، فيلجأ إلى التهرب، وتفكيك السؤال لغويًا بدل الإجابة عنه.
يظهر هنا نمط متكرر: استخدام اللغة كوسيلة للفصل بين الفعل وصاحبه، وكأن إعادة توصيف السلوك كفيلة بإعادة تعريف الذات. هذا الأسلوب لا يقدّم إجابات، بل يكشف آلية دفاعية قائمة على الإنكار وإعادة الصياغة.
الشر بوصفه ممارسة عادية
ما تطرحه المقابلة، بعيدًا عن شخصية إبستين نفسها، هو فكرة أكثر إزعاجًا: أن الشر لا يأتي دائمًا في صورة استثنائية أو صادمة، بل قد يتخذ شكل ممارسات يومية مغطاة بلغة عقلانية ومقبولة اجتماعيًا. هذا ما يفسّر صدمة الرأي العام عند انكشاف تورط مؤسسات أو شخصيات يُفترض أنها ملتزمة بالقيم.
الثنائية التقليدية بين «الخير» و«الشر» غالبًا ما تعجز عن تفسير هذه الحالات، لأنها تفترض تعارضًا مطلقًا بينهما، بينما الواقع يظهر تداخلًا يسمح بتعايش الخطاب الإنساني مع سلوكيات مدمّرة.
المال والشرعية المؤسسية
عندما طُرح عليه سؤال قبول جامعات كبرى لأمواله رغم الشبهات، قدّم إبستين إجابة مباشرة مفادها أن المال «كُسب بجهد شخصي». هذه الإجابة، وإن بدت بسيطة، تعكس إشكالية أوسع تتعلق بكيفية منح الشرعية المؤسسية لأموال مشبوهة عبر خطاب قانوني أو خيري، دون مساءلة حقيقية عن المصدر أو السياق.
أسئلة مفتوحة
المقابلة لا تبرر إبستين، ولا تمنحه مساحة للتخفيف من جرائمه، لكنها تطرح أسئلة مشروعة: كيف تشكّلت شخصيته؟ ما العوامل النفسية والاجتماعية التي ساهمت في صعوده؟ وكيف حدث هذا التواطؤ الواسع الذي سمح له بالاستمرار سنوات طويلة؟
فهم هذه الأسئلة لا يهدف إلى التعاطف، بل إلى تفكيك النموذج، لأن الاكتفاء بإدانة الفرد دون تحليل البيئة التي مكّنته يترك الباب مفتوحًا لتكرار النموذج نفسه بأسماء أخرى.