رمضان شهر التأمل والصفح والمحاباة، لماذا تبدو الدراما موسماً لتكديس الحزن؟
رمضان الشهر الفضيل بين أجوائه الروحانية وألفته وقربه وفوانيس الامل المشتعلة والنفوس المتوخية الطهر والنقاء. بين صوم طويل وجسد يناله التقشف ونفس تصبو نحو السلام تأتيك مسلسلات رمضان على ناصية أخرى من الشهر الكريم.
اعمال ملؤها الكأبة شخصيات معذبة واحداث أليمة وصرخات تجرح المخيلة. أجواء تردنا نحو القتامة والسوداوية وتفرد الواقع المظلم وتتناول حكايات موجعة بدل تلك الوردية التي تتطلو نفوسنا بشخصيات من عزم وأمل وقدوة.
يدخل رمضان على أمل ان يطرق الفرح أبوابنا ويرتفع الفأل على اعتابنا وفي نفوسنا لنشعر بشيء من التجلي والسلام. لكن في المرصاد تأتيك الاعمال الرمضانية تحت شعار الواقع محملة بالكثير من اليأس والقتامة والسوداوية والفقر والتفكك الأسري.
بغض النظر عن قيمة العمل الفنية لكن الفكرة بحد ذاتها موجعة وعندما تكثر هذه الأفكار والاعمال تصبح الشاشة عبئاً والواقعية احباطاً.
وكأن ليس هناك ميزان معتدل في تصدير الاعمال الرمضانية وتنوعها بل بات معظمها يصب في خانة الألم بدل أن يكون هناك تناوب مع الفرح والكوميديا. والنتيجة بعد سهرة مع مسلسلات رمضان هو اليأس وتحميل المشاهد أعباء وضغوطات أبطاله ونجومه المتألمين حتى باتت اعمال رمضان محفز للقلق وليس عمل فني للاستمتاع.
هناك أعمال تعرف كيف تضرم احداثها حيث تشعل وقدتها المتألمة ثم تطفئها بشخصية متفائلة أو بإخراج ملهم أو بقصة رومانسية حنونة وتجد المنافذ المضيئة وسط الدمار.
لكن هناك اعمال تضرب بقوة بيد الوجع وتصور المعاناة بمغالاة حتى يصبح المشاهد أسير احداث تضيف على معاناته اليومية وواقعه الموجع وجعاً يدلف له من شاشة المفترض انها للتسلية فتصبح للنكد.
سوداوية مُبالغ فيها تحت شعار الواقعية
إن التركيز على حالات اليأس المطلق، والشخصيات التي تعاني من انكسارات نفسية حادة دون وجود "بصيص ضوء" في نهاية النفق، يحول العمل الفني من محاولة للفهم إلى أداة للضغط النفسي. نرى أبطالاً محاصرين بالخيانة، والفقر، والمرض النفسي، في كادرات إخراجية معتمة تزيد من حدة الشعور بالاختناق.
شعار "الواقعية" مع اعمال رمضان المليئة بملاحم السواد وأحيانا القتل والعنف والجريمة والمخدرات ليس سوى شعاراً تجارياً. وكأنها تريد تذكيرنا بأن الحياة قاسية بينما نحن نعرف ذلك جيداً ونريد فسحة أمل أو ممر هروب نحو ما هو أجمل.
الدراما مرآة تكسر فوق رؤوسنا
فإن كان رمضان هو شهر الخروج من الذات نحو ما هو افضل والدخول في أيام من فأل. تأتي مسلسلات رمضان لتحبسنا في سجن اليأس فكل عمل لا يقدم شحنة إصرار وطاقة على المقاومة ولا يفتح حلما ولا يشيد أملا ولا يكافئ مجتهداً ولا ينصر ظالماً هو عمل منقوص وفن اعمى لان رمضان بمعناه هو سمو ورفعة واعماله الفنية يجب أن تبلسم الجراح بدل الانغماس فيها.
وإن كانت الدراما هي "مرآة الواقع"، فليس من حقها أن تكسر المرآة فوق رؤوسنا. الواقع مرّ بما يكفي، ونحن لا نحتاج لشاشة تزيد ملوحة الجرح، بل لنوافذ تشرع أبواب الأمل.. حتى لا يخرج المشاهد من رمضان وقد خسر صيامه وصحته النفسية معاً.