غيب الموت، اليوم، الفنان والملحن اللبناني الكبير أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد مسيرة فنية حافلة نذر فيها صوته للقضايا الإنسانية والوطنية، وصراع مرير مع مرض السرطان لم يطفئ جذوة غنائه حتى اللحظات الأخيرة.
ويُعد قعبور أحد أبرز وجوه الأغنية الملتزمة في العالم العربي، حيث ارتبط اسمه بالذاكرة الجماعية من خلال نشيد "أناديكم"، الذي تحول إلى أيقونة للمقاومة والصمود منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد نعى الوسط الفني والإعلامي في لبنان والعالم العربي الراحل، بوصفه "بوصلة الأغنية المخلصة للإنسان".
أحمد قعبور: حكاية صوت نبت من "مصطبة" بيروتية إلى ذاكرة الوطن
من عائلة فنية وأحياء شعبية
ولد أحمد قعبور في قلب بيروت عام 1955. لم تكن طفولته مجرد سنوات عابرة، بل كانت تشكلاً لوعي فني عميق؛ فوالده هو محمود الرشيدي، أول عازف كمان في لبنان، ووالدته السيدة فاطمة التي كانت ترى في العلم سلاحاً وحيداً. من رائحة مربى السفرجل في منزلهم المتواضع وصوت حوافر الخيل في أزقة المدينة، استمد أحمد ألحانه الأولى.
"أناديكم".. اللحن الذي لم يمت
في سن التاسعة عشرة، وفي أوج الانكسار العربي عام 1975، أطلق قعبور صرخته الفنية "أناديكم" من كلمات الشاعر توفيق زياد. لم تكن مجرد أغنية، بل كانت محاولة لتضميد جراح جيل كامل. ومنذ ذلك الحين، صار قعبور رفيق الساحات والتظاهرات، وصوتاً لا يحتاج إلى استئذان ليدخل قلوب المقهورين.
فلسطين.. الهوية والانتماء
لم يغنِّ قعبور لفلسطين كقضية خارجية، بل عاشها كوجع شخصي. تأثره بغسان كنفاني جعله يطلق اسم "سعد" على ابنه تيمناً بـ "أم سعد"، حتى ظنه الشاعر محمود درويش فلسطينياً من شدة صدقه. عاش قعبور منحازاً للناس، فغنى للأطفال أكثر من 300 لحن، ووثق لرمضانيات بيروت، وشارك في أعمال مسرحية وسينمائية تركت بصمة لا تمحى.
المواجهة الأخيرة: الغناء حتى النفس الأخير
رغم إصابته بالسرطان في سنواته الأخيرة، لم ينسحب قعبور من المشهد. في ديسمبر 2025، وقف (وجلس) على المسرح في حفل "قلوب تغني"، متحدياً أوجاعه ليغني لدعم تعليم الأطفال. رحل أحمد قعبور تاركاً وراءه إرثاً من النبل الفني، وزوجة وفية هي الفنانة إيمان بكداش، وابنين (سعد ومروان)، وجمهوراً يردد خلفه: "وأشد على أياديكم".
رحم الله الفنان الكبير أحمد قعبور.