TRENDING
نور الشريف.. الرحلة الأخيرة لفنان لم يعرف أن الموت يقترب


في مثل هذا اليوم، قبل أحد عشر عاماً، أُسدل الستار على حياة واحد من أولئك الفنانين الذين لا تنتهي حكاياتهم عند الرحيل.

رحل نور الشريف في 11 أغسطس 2015، عن عمر 69 عاماً، بعد رحلة مع المرض انتهت بسرطان الرئة، تاركاً وراءه أكثر من خمسين عاماً من الفن، ومئات الشخصيات التي لم يعد ممكناً فصلها عن ذاكرة السينما والدراما المصرية والعربية.

لكن حكاية نور الشريف الأخيرة لا تختصرها كلمة «مرض». فالرجل الذي عاش عمره مشغولاً بالفن، ظل حتى أيامه الأخيرة متعلقاً بالعمل، والكتب، والكتابة، وبالحياة نفسها.

  المقربون أخفوا  عنه الحقيقة

كان المرض قد دخل حياة نور الشريف في سنواته الأخيرة بهدوء قاسٍ.

بعد الانتهاء من تصوير مسلسل «خلف الله»، كان يستعد للسفر إلى لندن لإجراء فحوصات وعلاج لمشكلة في ساقه. وهناك، خلال التحاليل، شعر بصعوبة في التنفس، فبدأ الأطباء رحلة البحث عن السبب، قبل أن يتضح حجم المشكلة الصحية التي كان يواجهها. ووفق رواية مدير أعماله نور عزت، حاول المقربون منه إخفاء حقيقة مرضه عنه.

وبحسب تصريحات سابقة لزوجته بوسي، لم يكن نور يعرف أن المرض الذي يعاني منه هو سرطان الرئة، إذ كانت الأسرة تتعامل معه على أنه يعاني من التهاب في الرئة، في محاولة لحمايته من وقع الحقيقة.

مفارقة مؤلمة لرجل كان طوال حياته شديد الوعي بما حوله، شديد الحساسية تجاه التفاصيل، وكأنه هذه المرة كان الشخصية الوحيدة التي لم تُكشف لها نهاية الحكاية.


بوسي.. الحب الذي عاد في الفصل الأخير

وفي أكثر فصول حياته إنسانية، عادت بوسي إلى جانبه.

بعد سنوات من الانفصال، عاد نور الشريف وبوسي إلى الزواج عام 2015، في الفترة الأخيرة من حياته، لتقف إلى جواره مع ابنتيهما سارة ومي في مواجهة المرض.

كان في هذه العودة شيء يشبه المصالحة مع العمر كله؛ حب بدأ في السبعينيات، وعاش سنوات طويلة، ثم عاد في اللحظة التي كان فيها الإنسان يحتاج إلى الإنسان أكثر من أي وقت مضى.

لم يكن يخاف الموت.. بل كان يخشى أن يعطله المرض

ربما تختصر واحدة من عباراته الأخيرة فلسفته في مواجهة النهاية.

في حوار أجري معه قبل رحيله، تحدث نور الشريف عن الموت والمرض، وقال إنه لا يخاف الموت بقدر ما يخشى المرض الذي يعرقل الإنسان ويعطله عن عمله.

كان نور الشريف فناناً لا يحب التقاعد من الحياة. بالنسبة إليه، كان العمل ليس مهنة فحسب، بل طريقة للوجود.

حتى في أيامه الأخيرة، ظل القلم والورق والكتاب قريبين منه. وكتب كلمات نشرها على صفحته، تحدث فيها عن أصدقائه الراحلين وعن حزنه من الشائعات التي كانت تتناول أخبار الموت والمرض.

كأنه كان يكتب، من دون أن يعرف، الفصول الأخيرة من سيرته بنفسه.

نور الشريف.. أكثر من نجم

حين نستعيد نور الشريف اليوم، لا يصح أن نضعه فقط في خانة نجوم الزمن الجميل.

كان مشروعاً فنياً متكاملاً: ممثل، ومنتج، ومخرج، ومثقف مشغول بأسئلة الإنسان والمجتمع والسياسة والحب والسلطة والهزيمة والانتصار.

من «الكرنك» إلى «أهل القمة»، ومن «سواق الأتوبيس» إلى «العار» ومن «ليالي الحلمية» إلى «الدالي»، صنع شخصيات لم تكن مجرد أدوار يؤديها، بل أرواحاً كاملة تسكن ذاكرة المشاهد.

وله سبعة أفلام ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري وفق الاستفتاء الشهير لنقاد السينما المصرية عام 1996، في شهادة تختصر حجم حضوره في تاريخ السينما.

الرحيل الذي لم يكن نهاية

في 11 أغسطس 2015، غاب نور الشريف عن الشاشة والحياة.

لكن الغياب لم يكتمل.

فكلما عُرض فيلم قديم، أو عادت «ليالي الحلمية» إلى الشاشة، أو وقف ممثل شاب أمام شخصية معقدة، أو احتاجت السينما إلى نموذج للفنان الذي لا يكتفي بأن يكون نجماً، يعود نور الشريف بطريقة أو بأخرى.

ربما لهذا السبب لا تبدو ذكراه مثل ذكرى الراحلين.

إنه من أولئك الذين تركوا خلفهم حياة أخرى على الشاشة؛ حياة لا تعرف المرض، ولا الشيخوخة، ولا الموت.

نور الشريف رحل في 2015، لكن الشخصيات التي منحها صوته ووجهه وروحه ما زالت تعيش.