وراء أغنية «يما القمر عالباب» واحدة من أكثر الحكايات خصوصية في تاريخ الأغنية المصرية، إذ لم تكن مجرد كلمات ولحن لفيلم «تمر حنة»، بل خرجت من ذكريات حقيقية عاشها كل من الشاعر مرسي جميل عزيز، والملحن محمد الموجي، والمطربة فايزة أحمد، قبل أن تتحول إلى واحدة من أشهر أغنيات السينما المصرية.
مرسي جميل عزيز يستعيد قصة حبه أثناء كتابة الأغنية
بدأت الحكاية عندما طلب المخرج حسين فوزي من الشاعر مرسي جميل عزيز كتابة أغنيات فيلمه الجديد «تمر حنة». وبحسب ما رواه مرسي في حوار مع مجلة «الكواكب»، عاد إلى الزقازيق وبدأ التفكير في الأغنيات، وكانت «يما القمر عالباب» من أبرزها.
وكشف مرسي أن الأغنية ارتبطت بقصة شخصية في حياته، وقال عنها إنها «قصة حبي وزواجي»، من دون أن يكشف تفاصيلها كاملة.
وكان يفكر في استكمال أجواء أغنية «مال الهوى يما»، لكن مع تخفيف الطابع الرومانسي وإبراز الجانب الشعبي بصورة أكبر.
يومان من التفكير قبل أن تولد كلمات «يما القمر عالباب»
لم تأتِ كلمات الأغنية بسهولة، فقد أمضى مرسي جميل عزيز اليوم الأول والثاني في التفكير من دون أن يكتب كلمة واحدة.
وفي الليلة الثانية، وبعد ساعات من العجز عن الكتابة، قرر أن يخرج من المنزل ويتجه إلى الحقول. وهناك، بجوار إحدى السواقي، استعاد ذكريات طفولته والأيام التي كان يقضيها في الحقول، مستمعاً إلى الأغنيات الريفية التي أحبها منذ صغره.
وفجأة قفز إلى ذهنه مطلع الأغنية، فكتب الكلمات الأولى، ثم عاد إلى المنزل واتصل بمحمد الموجي في القاهرة، وأسمعه ما كتب.
لكن مرسي أبدى تخوفه من استخدام كلمة «يما»، بسبب تشابهها مع أغنية «مال الهوى يما». إلا أن الموجي طمأنه وطلب منه أن يكمل الكلمات، مؤكداً أنه سيتولى تلحينها.
وبعد أقل من نصف ساعة، عاد الموجي واتصل به وأسمعه المذهب، ثم توالت الاتصالات بينهما لسماع ألحان المقاطع الجديدة، حتى اكتملت الأغنية سريعاً.
وفي اليوم التالي، كان مرسي في القاهرة يستمع إلى فايزة أحمد وهي تردد الأغنية كاملة.
محمد الموجي يكشف قصة فتاة الريف التي ألهمته
أما محمد الموجي، فكشف أن أغنية «يما القمر عالباب» أعادت إليه هو الآخر ذكريات من حياته في الريف.
وقال إنه عندما علم أن فايزة أحمد ستؤدي أغنيات فيلم «تمر حنة»، اشترط أن يكون مرسي جميل عزيز أحد مؤلفي الأغنيات. وبعد الاتفاق، تواصل مع مرسي الذي كان في الزقازيق، ثم تلقى منه اتصالاً في ساعة متأخرة من الليل.
وبمجرد أن سمع المطلع، بدأ الموجي في تلحين الأغنية على العود، مستعيداً ذكريات فتاة فلاحة كان يحبها وكانت تحضر لهم الماء.
وقال إنهما كانا يحبان بعضهما، لكن تقاليد الريف حالت دون اقترابهما من بعضهما، فتذكر صوتها والأغنيات التي كانت ترددها أثناء ذهابها وإيابها.
كما استعاد الموجي أيام طفولته عندما كان يذهب إلى الترعة ويجلس تحت النخلة، ويستخدم أعواد البرسيم لإخراج نغمات بسيطة تشبه الصفارة.
«يما».. الكلمة التي خاف منها مرسي وأصر عليها الموجي
كانت كلمة «يما» تحديداً مصدر قلق لمرسي جميل عزيز، خوفاً من أن يتشابه العمل مع «مال الهوى يما».
لكن الموجي رأى أن الكلمة تحمل روحاً ريفية أصيلة، وقال إنه، باعتباره «فلاح ابن فلاح»، يعرف قيمة كلمة «يما» لدى الفلاحين، مقارنة بكلمات مثل «مامي» و«ماما» و«نينا».
وبحسب روايته، حاول أن يقدم الكلمة في قالب جديد، لتصبح جزءاً أساسياً من هوية الأغنية.
وفي منتصف الليل تقريباً، اتصل الموجي بمرسي وأسمعه ما لحنه، فجاءه رد الشاعر: «عال.. كمل». وبعد ساعة تقريباً، عاد الموجي واتصل به مجدداً، فيما أمسكت زوجته أحلام الهاتف وغنى له الكوبليه الأول.
وفي اليوم التالي، حضر مرسي إلى القاهرة ومعه الكوبليه الأخير، ليكتمل العمل.
فايزة أحمد تكشف أن الأغنية أعادتها إلى حبها الأول
ولم تكن ذكريات الحب حاضرة لدى مرسي والموجي فقط، إذ كشفت فايزة أحمد أن كلمات «يما القمر عالباب» أعادتها هي الأخرى إلى مرحلة من حياتها.
وعندما أسمعها مرسي كلمات الأغنية، ضحكت، فسألها عن سبب ضحكها. وأخبرته أن كلمات الأغنية تشبه تماماً إحدى فترات حياتها عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها.
وروت فايزة أنها أحبت ابن أحد الجيران حباً شديداً، لكن التقاليد المحافظة وقفت في طريقهما.
كانت تقف عند النافذة في انتظار مروره، وعندما تراه قادماً ويبتسم لها، كانت تتوارى خجلاً، ثم ترد له التحية في ود وحب.
لكن والدتها ضبطتها ذات مرة وهي تحييه من النافذة، فعاقبتها بشدة، واضطرت فايزة بعدها إلى مصارحتها بحبها له، موضحة أنه طالب ويرغب في الزواج منها.
وكان لهذا الاعتراف أثر كبير، إذ منعتها والدتها من الخروج، بل وحتى من النظر من النافذة، لتنتهي قصة الحب ويبتعد الشاب عنها.
أغنية خرجت من الحياة إلى الشاشة
هكذا ارتبطت «يما القمر عالباب» بثلاث تجارب شخصية مختلفة؛ مرسي جميل عزيز استعاد من خلالها قصة حبه وذكرياته في الريف، ومحمد الموجي استلهم لحنها من ذكريات فتاة فلاحة أحبها في صباه، بينما وجدت فايزة أحمد في كلماتها صدى لقصة حب عاشتها وهي في السادسة عشرة.
ولعل هذا المزج بين التجربة الشخصية والخيال الفني منح الأغنية صدقاً خاصاً، وحوّلها من مجرد أغنية في فيلم «تمر حنة» إلى عمل بقي حاضراً في الذاكرة الفنية المصرية حتى اليوم.