TRENDING
ثنائية المال والحرمان: قراءة في دراما

يدخل مسلسل «حب أسود»، المأخوذ عن المسلسل التركي الشهير «حب أعمى» في منطقة شائكة تضع الحب في مواجهة المال ، حكاية تختلط فيها العاطفة بالابتزاز، والرغبة بالاستحواذ، والوفاء بأثمان قد لا يملك أصحابها القدرة على دفعها.

يجمع العمل سامر إسماعيل وفاليري أبو شقرا، إلى جانب ورد الخال وطلال الجردي ويامن حجلي ونهلة داوود، في حكاية تتجاوز قصة عاشقين فرّقتهما الفوارق الاجتماعية، لتطرح سؤالاً قديماً يتجدّد كلما امتلك الأقوى حق تقرير حياة الأضعف: هل يستطيع الحب أن ينتصر حين يصبح المال قانوناً، والعائلة قيداً، والخوف وسيلة للسيطرة؟



حين تُباع الحياة لإنقاذ العائلة

تبدو حكاية فارس ولانا، في ظاهرها، مواجهة مألوفة بين شاب ينتمي إلى طبقة متواضعة وفتاة تحاصرها امتيازات عالمها الثري. لكن المفارقة أن الثروة، التي يُفترض أن تمنح لانا الأمان والحرية، تتحوّل إلى سجنها الأكبر. فهي تجد نفسها في زواج لا تريده، لا لأن قلبها اختار طريقاً آخر فحسب، بل لأن مصيرها يُرسم ضمن صفقة هدفها حماية شقيقها المتهم بجريمة قتل، وإنقاذ إرث العائلة من الانهيار.

هنا تنقلب المعادلة التقليدية. ليست الفتاة الفقيرة التي تُدفع إلى الزواج من رجل ثري لتنتشل عائلتها من العوز، بل فتاة تملك المال والاسم والمكانة، لكنها لا تملك حق تقرير حياتها. تصبح لانا، بكل ما تحمله من امتيازات، كبش الفداء الذي يُقدَّم لحماية العائلة، وكأن وجودها العاطفي والإنساني أقل قيمة من سمعة تُصان وثروة يُخشى ضياعها.


وهذه إحدى أكثر زوايا الحكاية قسوة: حين تتخفّى المصلحة خلف مفهوم التضحية، ويُطلب من الإنسان أن يدفع ثمن أخطاء الآخرين باسم الحب العائلي. فالعائلة التي يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً قد تتحوّل، تحت ضغط المال والخوف، إلى سلطة تستعبد أبناءها، وتساوم على حريتهم كما لو كانت جزءاً من الميراث.

لانا... امرأة تعيش بين قفصين

تؤدي فاليري أبو شقرا شخصية لانا بوصفها امرأة ممزقة بين واقع لا تطيقه وحب لم تستطع اقتلاعه من داخلها. إنها عالقة بين زواج يفرض عليها حياة لا تشبهها، وعاطفة تستمر في تغذيتها من الداخل، كأنها المساحة الوحيدة التي لم تستطع الظروف مصادرتها.

وما يلفت في هذه الشخصية ليس ضعفها أو انصياعها أمام الضغوط فحسب، بل التناقض الذي يسكنها. تبدو لانا أسيرة واقعها، لكنها تحتفظ في أعماقها بنوع من التمرّد؛ تلاحق الحب الذي حُرمت منه، وتتمسك بحلمها رغم القيود التي تحيط بها. لا تتحرّك دائماً بقوة المرأة التي حسمت خياراتها، بل بقوة امرأة تعرف ما تريد، وتعجز في الوقت نفسه عن امتلاك الطريق إليه.


في هذه المسافة بين الرغبة والعجز تتشكّل مأساة لانا. تمنح فاليري الشخصية ملامح الحالمة التي لم تستسلم عاطفياً، حتى حين تبدو عاجزة عن تغيير مصيرها. غير أن هذه الازدواجية تطرح أيضاً سؤالاً على الشخصية نفسها: إلى أي حد يمكن للإنسان أن يواصل التعلّق بحلمه من دون أن يتحوّل الحلم إلى سجن آخر؟ فالحب الذي يمنح لانا سبباً للاستمرار هو نفسه ما يبقيها معلّقة بين حياة لا تريدها وحياة لا تستطيع بلوغها.

فارس... بطولة العاشق الذي يحمل اسمه

أما سامر إسماعيل، فيجد في شخصية فارس مساحة تناسب حضوره، إذ يجسّد الشاب العاشق الذي لا يتعامل مع الحب بوصفه نزوة عابرة، بل باعتباره وعداً داخلياً يصعب التراجع عنه. ثمة شيء من الفارس التقليدي في هذه الشخصية: الوفاء، والإصرار، والاستعداد لمواجهة الظروف دفاعاً عن المرأة التي يحبها.

ويأتي اسم فارس منسجماً مع هذه الصورة، كأن الشخصية تستعيد معنى الاسم في سلوكها وموقفها من الحب. لكن التحدّي الحقيقي أمام هذا النموذج لا يكمن في مقدار ما يستطيع العاشق تحمّله من ألم، بل في قدرته على التمييز بين الوفاء والتعلّق، وبين الدفاع عن الحب والرغبة في استعادة ما فقده.

يمنح سامر إسماعيل هذه الشخصية حضوراً ينسجم مع طبيعتها الحالمة، ويجعل فارس قريباً من صورة الرجل الذي يريد أن ينتصر قلبه في عالم لا يمنح القلب أولوية.

يامن حجلي... يخلط الحب بالتملّك

في المقابل، يحمل الدور الذي يؤديه يامن حجلي وجهاً أكثر قتامة للعاطفة. فالشخصية لا تبدو شريرة لمجرد أنها تمارس الظلم، بل لأنها تتعامل مع رغبتها بوصفها حقاً لا يجوز لأحد منازعتها فيه. حبه أشبه بغطاء للتملّك، وتتحوّل الرغبة في الاحتفاظ بالآخر إلى محاولة لفرض الحياة عليه بالقوة.

يستند حضور يامن حجلي إلى هذه المنطقة السوداوية، حيث لا يعود الشرّ مجرّد سلسلة من الأفعال، بل طريقة في النظر إلى العالم والآخرين. والأخطر أن هذه الشخصية تكشف وجهاً آخر للسلطة التي يناقشها العمل: فكما يفرض المال مصير لانا، يحاول التملّك فرض مصيرها العاطفي. تختلف الأدوات، لكن النتيجة واحدة؛ إنكار حق الإنسان في أن يختار.



ورد الخال ونهلة داوود وطلال الجردي... خبرة تترك أثرها

تأتي ورد الخال بحضور يملك القدرة على ترك بصمته، حتى حين لا تكون المساحة الممنوحة للشخصية واسعة بالضرورة. فبعض الممثلين لا يحتاجون إلى الاستحواذ على المشهد كي يلفتوا الانتباه، بل يكفي أن يمنحوا الشخصية خصوصيتها وأن يضيفوا إليها شيئاً من خبرتهم وحساسيتهم في الأداء.

أما نهلة داوود، فتقدّم واحداً من أدوارها اللافتة، مستفيدة من قدرتها على بناء الشخصية من الداخل، ومنحها ثقلاً يتجاوز ما تقوله الكلمات وحدها. إنها من الممثلات اللواتي يعرفن كيف يصنعن فرقاً في المشهد من خلال التفاصيل، وكيف يمنحن الشخصية حضوراً لا يعتمد على المبالغة.صوت داوود الذي يأتي من الأعماق بتلك النزعة الشرانية جعلت منها شخصية محببة في الأداء ممقوتة في الحياة.

وطلال الجردي بدوره من الممثلين الذين تبدو الكاميرا مساحة طبيعية لقدراتهم. يمتلك أدوات أداء تسمح له بالتحرّك بين النبرة والتعبير والانفعال، من دون أن يحتاج إلى افتعال التأثير. هو ممثل يكفي أن يُمنح مساحة حقيقية كي يكشف عن إمكاناته، لأن حضوره لا يقوم على رفع الصوت أو تضخيم الحركة، بل على خبرة تعرف كيف تخدم الشخصية وتمنحها ملامحها الخاصة.


دراما القلب والمال والمعاناة بينهما

في النهاية، يضع «حب أسود» شخصياته أمام أشكال مختلفة من الأسر: لانا أسيرة صفقة لا تريدها، وفارس أسير حب يصطدم بحدود الواقع، وشخصيات أخرى تحاول حماية مصالحها أو فرض رغباتها ولو على حساب الآخرين. وبين هذه المصائر، يعود الصراع الطبقي ليكشف أن الفقر ليس دائماً أقسى أشكال الحرمان، وأن الثروة لا تعني بالضرورة امتلاك الحرية.

فثمة من يملك المال ولا يستطيع شراء حياته، ومن يملك القوة لكنه يعجز عن انتزاع الحب الحقيقي، ومن يتمسك بالأمل لأنه لا يملك سواه.