TRENDING
Reviews

"القرنة البيضاء": قمة المسرح مع يحيا جابر وماريا الدويهي بين الجسد والوجدان

يحيا جابر اللاعب بالمشاعر، ناكش الحجر والبشر وحفّار المجتمع. يبني قمّته العالية «القرنة البيضاء» برفقة جسد وروح وبراعة ماريا دويهي، ويحلقان بنا في مسرح مونو على شواهق أعلى من القرنة السوداء، بقرونٍ وعصورٍ وأسرار. يضحكنا ويبكينا في اللحظة نفسها، كبنّاء وجدان.

جابر الذي يعجن نصّه من حكايات وأشخاص وقديسين يصعب مسّهم، لكنه يخترق المحظور ويبني نصّه من معجزة العمق والتابو، ويمسرح كل شيء. في أعالي إهدن جال بنا، في عمق الوهاد الشمالية رمانا، مشى بنا نحو مجاري الأنهار وصولًا إلى مصبّ نهر علي الطرابلسي. رحلة شمالية سافرنا بها بعد أن جال بنا في كل أنحاء البلاد مع مسرحياته «الطريق الجديدة» و«من كفرشيما للمدفون» و«مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»، لنصل اليوم إلى القمّة العالية: مسرحية "القرنة البيضاء".


الممثلة والأستاذة ماريا دويهي تتفكك وتتشكل في كل لحظة على مسرح مونو، بنص متشعّب يغوص في القضايا والتابوهات. وتبني بجسدها وصوتها الأخّاذ السوبرانو شخصيات لا تُعدّ ولا تُحصى، وتولد منها جميعًا، متنقلة بوجوهها العديدة، وهي لا تملك سوى إطار  خشبي وخرق قماش لتبدّل شخصياتها في مسرح متقشّف، إلا من إبداع نص وإبداع أداء.

يبني جابر نصّه من أوجاع القصص، من تلك الأفكار القاسية، ويقترب من لحم الناس، من عقليتهم وزنجار خطاياهم، ويعيد عجنها جميعًا في ماعون أسلوبه الكوميدي المغمس في التراجيديا. وماريا دويهي، بلكنـتها الشمالية القاسية وصوتها الرنّان، تجسّد كل الأبطال الذين يتزاحمون على الخشبة، وهي تتعرّى أمامنا ثم تكتسي، وتغيّر في شخوصها وتتبدّل كحرباء، كغيمة بيضاء ربيعية تستطيع أن تتلبّد وتصبح عاصفة سوداء.


الوطن أساس في مسرح جابر، وكذلك المرأة والإنسان والحب. وهو الساحر الفني والكاتب الذكي الذي يمرّ على كل هذه العناوين ويعيد صياغتها بعد أن ينكش أسرارها، ويحوّلها إلى لغة مسرحية عامية في ظاهرها، عميقة في دواخلها، ونهضوية مشاكسة. يخلط بينها جميعًا ويطلقها صرخة مسرحية. صرخة حانية وغاضبة، ورقيقة وقاسية. وماريا دويهي تقدّم كل هذا، مستفزّة بأدائها محاجرنا الدامعة، إمّا ضحكًا أو بكاءً، لكن الدمع جارٍ بكل الأحوال مع يحيا جابر، مهندس الأمزجة والحِذق، الذي يبتكر من المأساة ضحكة.

مع مسرح يحيا جابر، لا نخرج من القاعة كما دخلناها. نغادر وقد مستنا اللغة، ومرّ الجسد أمامنا كحقيقة متحوّلة لا تستقر. هو الذي يمسرح كل شيء الشجر والهواء والبشر والجماعات والأهالي. الكاتب الملهم الذي يعرف كيف يحفر في الذاكرة الجماعية ويعيد تشذيبها وتهذيبها، وهي ماريا دويهي، الجسد اللين المعجون بالتشكّل، الذي يحمل النص ويتشظّى فيه ويعيد ولادته لحظة بعد أخرى. مسرح يضحكنا كي نحتمل، ويبكينا كي لا ننسى.