أثار حضور السيدة الأولى نعمت عون إلى عزاء الراحل هلي عاصي الرحباني موجة جدل غير مبرّرة، بعدما تعمّد بعضهم مهاجمة ريما الرحباني بحجّة أنها لم تقف لاستقبال عقيلة رئيس الجمهورية. جدل يكشف مرة جديدة كيف يمكن للسلوك الإنساني في لحظة حزن أن يُسحب قسرًا إلى منطق الاتهام، وكأن العزاء ساحة امتحان للبروتوكولات الوهمية.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تقف ريما الرحباني؟
بل: من خوّل هؤلاء اختراع تقاليد لا وجود لها، وفرضها على امرأة منكوبة فقدت شقيقين في أشهر قليلة؟
لا نصّ… لا عرف… لا بروتوكول
لا في الدستور اللبناني، ولا في الأعراف الرسمية، ولا حتى في أدبيات التشريفات، ما يفرض الوقوف عند دخول زوجة رئيس الجمهورية. فهذه الصفة اجتماعية وليست منصبًا دستوريًا، والاحترام الرسمي في القصور الرئاسية نفسها يُخصص لرئيس الدولة خلال تأدية مهامه، لا لأفراد عائلته.
حتى المراجع المعروفة في البروتوكول، ومن بينها كتب من خدموا في القصر الجمهوري لعقود، لا تشير إلى أي إلزام من هذا النوع، ما يجعل كل ما قيل مجرد اجتهادات شعبوية بلا سند.
الحداد ليس عرضًا مسرحيًا
الحداد ليس حركة جسد ولا استعراض للياقة الاجتماعية. هو حالة نفسية وعصبية شاملة، تثقل الجسد وتكسره، وتجرّده من القدرة على الاستجابة للشكليات. من عاش الفقد يدرك أن الجسد في العزاء لا يطيع الأوامر، بل يتحرك بقدر ما يحتمل الألم.
كيف يُطلب من إنسانة دفنت والدها وكل أشقائها أن تُحاسَب على وضعية جسد؟ وكيف يُختزل الاحترام بعضلات ركبة، بينما القلب مثقل بالفقد؟
الوقوف ليس معيار كرامة
الوقوف في مناسبات الحزن ليس واجبًا أخلاقيًا، ولا مقياسًا للاحترام. الاحترام يُقاس بالنية، وبالسلوك الإنساني، وبالاعتراف بوجع الآخر، لا بإملاءات تصدر عن عقول صغيرة تبحث عن إثارة رخيصة.
تحويل العزاء إلى محكمة، والحداد إلى مادة تشهير، هو السقوط الحقيقي. أما ريما الرحباني، فلم تخالف عرفًا، ولم تُهِن أحدًا، بل كانت، كأي إنسانة مفجوعة، تحاول فقط أن تبقى واقفة من الداخل.