مرّ عام على رحيل الموسيقار والكاتب اللبناني زياد الرحباني، إلا أن أثره الفني ما زال حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي العربي. فقد نجح خلال مسيرته في بناء تجربة استثنائية جمعت بين الموسيقى والمسرح والكتابة والنقد الاجتماعي، ليترك إرثًا تجاوز حدود الزمان والمكان.
ورغم غيابه، لا تزال أعماله تُتداول بين الأجيال، فيما تتجدد النقاشات حول مشروعه الفني مع حلول الذكرى الأولى لرحيله.
ابن المدرسة الرحبانية وصاحب الهوية الخاصة
وُلد زياد الرحباني في الأول من يناير/كانون الثاني عام 1956، في عائلة تُعد من أبرز العائلات المؤثرة في تاريخ الفن العربي، فهو نجل السيدة فيروز والموسيقار الراحل عاصي الرحباني.
ورغم نشأته في بيئة رحبانية عريقة، اختار زياد أن يشق طريقًا مختلفًا، فقدم أعمالًا قريبة من حياة الناس، مستخدمًا لغة بسيطة وساخرة تعكس تفاصيل المجتمع وقضاياه، بعيدًا عن الأنماط الفنية التقليدية.

موهبة مبكرة صنعت مشروعًا فنيًا متكاملًا
ظهرت موهبة زياد الرحباني منذ سنواته الأولى، حيث جمع بين التلحين والكتابة والعزف، قبل أن يبرز كأحد أبرز الأسماء التي أحدثت تحولًا في المسرح اللبناني.
اعتمد في أعماله على الحوار الواقعي والنقد الاجتماعي والسياسي، مقدمًا رؤية مختلفة للفن تجمع بين الفكاهة والعمق، كما لعب دورًا مهمًا في تجديد الموسيقى العربية عبر دمج أنماط شرقية مع تأثيرات من الجاز والموسيقى الغربية.

مسرحيات أصبحت جزءًا من الذاكرة
شكّلت مسرحيات زياد الرحباني علامة فارقة في تاريخ المسرح العربي، بعدما مزج فيها بين الكوميديا والدراما، وقدم شخصيات مستوحاة من الحياة اليومية وهموم المواطن العادي.
ومن أبرز أعماله المسرحية:
بالنسبة لبكرا شو
فيلم أميركي طويل
نزل السرور
شي فاشل
بخصوص الكرامة والشعب العنيد
ولا تزال هذه الأعمال تحافظ على حضورها حتى اليوم، لما تحمله من أفكار وقضايا تتجاوز الفترة التي كُتبت فيها.

تعاون استثنائي مع فيروز
ترك زياد الرحباني بصمة كبيرة في مسيرة والدته الفنانة فيروز، بعدما قدم لها لونًا موسيقيًا مختلفًا جمع بين الحداثة والإحساس الشرقي.
وأثمر التعاون بينهما عن مجموعة من الأغنيات التي أصبحت من كلاسيكيات الموسيقى العربية، وأسهمت في فتح مرحلة جديدة في مسيرة فيروز الفنية، حظيت بتقدير الجمهور والنقاد.

موسيقى متفردة وهوية لا تشبه أحدًا
تميز زياد الرحباني بأسلوب موسيقي خاص، إذ جمع بين المقامات الشرقية وإيقاعات الجاز والبلوز والكلاسيك، ليصنع بصمة فنية يصعب تكرارها.
كما امتازت ألحانه بالبساطة والعمق في الوقت نفسه، ما جعلها قادرة على الوصول إلى مختلف الفئات العمرية، والاستمرار في جذب المستمعين بعد سنوات طويلة من إنتاجها.
فنان صاحب موقف ورؤية اجتماعية
لم يكن زياد الرحباني مجرد موسيقار أو كاتب مسرحي، بل كان صاحب رؤية فكرية واضحة، عُرف بجرأته في طرح آرائه السياسية والاجتماعية عبر أعماله ولقاءاته الإعلامية.
وعكست كتاباته اهتمامًا بقضايا المجتمع، وانتقدت الواقع السياسي والاقتصادي بأسلوب ساخر ومباشر، ما جعله حاضرًا دائمًا في النقاشات الثقافية والفكرية.

إرث فني يتجاوز الحدود
خلال مسيرة امتدت لعقود، قدم زياد الرحباني عشرات الأعمال في مجالات التلحين والتأليف المسرحي والكتابة والعزف، ليصبح واحدًا من أبرز المجددين في تاريخ الفن العربي.
كما ألهمت تجربته أجيالًا من الفنانين الذين وجدوا في أسلوبه نموذجًا لكسر القوالب التقليدية وصناعة هوية فنية مستقلة.
بعد عام على الرحيل.. زياد الرحباني حاضر في الوجدان
في 26 يوليو/تموز 2025، غاب زياد الرحباني بعد مسيرة فنية امتدت قرابة خمسة عقود، لكن رحيله لم ينهِ تأثيره، إذ ما تزال أعماله تُسمع وتُعرض، ويستمر حضوره في ذاكرة محبيه.
وبعد عام على وفاته، يبقى زياد الرحباني أحد أبرز الأسماء التي غيّرت شكل الموسيقى والمسرح العربي، تاركًا مدرسة إبداعية متفردة وإرثًا فنيًا يصعب أن يتكرر.