TRENDING
كلاسيكيات

مديحة يسري.. من طفلة اتهمها أهل قريتها بالمسّ إلى نجمة السينما المصرية

مديحة يسري.. من طفلة اتهمها أهل قريتها بالمسّ إلى نجمة السينما المصرية

وُلدت الفنانة مديحة يسري ونشأت في الريف، وهي البيئة التي وصفتها في مقالها «قصص من حياتي»، المنشور في مجلة «الكواكب»، بأنها كانت شديدة الارتباط بوالدها، رغم ما كان يتمتع به من قدر كبير من التعليم والثقافة.

وتروي مديحة أن العمدة ذهب إلى منزل والدها يوم ولادتها ليهنئه، ثم فاجأه بطلب يد الطفلة لابنه عندما تكبر. وكان والدها يميل إلى الموافقة، باعتبار أن مصاهرة العمدة كانت، بحسب وصفها، «لونًا من ألوان الشرف ووسيلة من وسائل تدعيم النفوذ والسلطان»، قبل أن تتدخل والدتها قائلة: «يا راجل.. أنت عارف بكرة حيحصل إيه؟»، ليتراجع عن الأمر.

طفلة تفضل العزلة والرسم

مع مرور السنوات، بدأت مديحة تميل إلى الوحدة والعزلة، وكانت تقضي ساعات طويلة تحت الأشجار، تتأمل الطبيعة والسماء وتستمع إلى أصوات الطيور، ثم تحوّل تلك المشاعر إلى رسومات.

وكان أقرانها يحاولون جذبها إلى ألعابهم، لكنها كانت تفضل عالمها الخاص. وفي إحدى المرات، حاول ابن العمدة إجبارها على الذهاب للعب مع الأطفال، فرفضت وصرخت في وجهه، وحين أصرّ على موقفه، أمسكت بحجر وضربته به على رأسه.

سقط الصبي أرضًا وبدأ الدم ينزف من رأسه، فانتشر الذعر في القرية، وسارع الأطفال إلى إبلاغ الأهالي بأن «ابن العمدة مات».

حادثة كادت تغيّر حياتها

تقول مديحة إنها في تلك اللحظة لم تعرف كيف تتصرف، بعدما اختلط عليها الخوف بالغضب والشفقة، وشعرت بأن تفكيرها قد توقف تمامًا.

وسرعان ما اتضح أن الصبي لم يمت، إذ أخذه بعض الأهالي إلى «حلاق الصحة» لتلقي الإسعافات الأولية، بينما اصطحب آخرون مديحة إلى منزل العمدة.

وعندما سألها العمدة عن سبب ضربها لابنه، روت له ما حدث، وحين سأل ابنه لم ينكر روايتها. وانتهى الأمر بعودتها إلى منزلها، ظنًا منها أن الحكاية انتهت عند هذا الحد.

لكن في اليوم التالي بدأت القصة تأخذ منحى آخر.

«ممسوسة».. هكذا لاحقت القرية طفولتها

انتشرت الشائعات في القرية حول مديحة، بعدما لاحظ الأهالي ميلها إلى الجلوس وحيدة لساعات في الأراضي الزراعية، والاستماع إلى العصافير والتحديق في السماء.

وبدأت عبارات من نوع «عقلها فيه حاجة» و«أكيد ممسوسة» تتردد بين أهل القرية، حتى صدق أفراد أسرتها تلك الأقاويل، وفق ما روته مديحة في مقالها.

وتقول إنها تعرضت بسبب ذلك لوضع الأحجبة والتمائم والتعاويذ حول رأسها ورقبتها، لكنها لم تتخلَّ عن عالمها الخاص، وظلت سعيدة بوحدتها وتأملاتها ورسوماتها.

ومع تزايد الشكوك، بدأ والدها يقتنع بما يتردد في القرية، فقرر إبعاد ابنته عن البيئة التي نشأت فيها، والانتقال بها إلى القاهرة.

القاهرة.. بداية اكتشاف الفن

كان الانتقال إلى القاهرة نقطة تحول حقيقية في حياة مديحة يسري. وتقول إنها شعرت هناك بأن وعيها يتغير، وأن أمامها حياة عصرية مختلفة عن حياة القرية.

وبدأت تزور معارض الفن، وتشاهد اللوحات والرسوم والتماثيل، رغم أنها لم تكن قد تجاوزت الثانية عشرة من عمرها.

حصلت مديحة على الشهادة الابتدائية، ثم التحقت بمدرسة الفنون الطرزية، وهناك اقتربت أكثر من عالم الفن، وسرعان ما بدأت موهبتها في الرسم تلفت الأنظار.

وتروي أنها لم تمضِ سوى سنة ونصف تقريبًا حتى أصبحت المدرسة تتحدث عن براعتها في الرسم.

صدفة في السينما غيّرت مسار حياتها

بعد انتهاء دراستها، أرادت مديحة الاحتفال بنجاحها، فذهبت إلى إحدى دور السينما الصيفية، وهناك التقت بالمخرج محمد كريم.

لم تكن تعرف أن تلك المقابلة العابرة ستفتح أمامها بابًا جديدًا. فبعد حديث قصير، اقترح عليها محمد كريم العمل في السينما، فوافقت، لتظهر للمرة الأولى على الشاشة في فيلم «يوم سعيد» إلى جانب محمد عبد الوهاب، في دور كومبارس.

ورغم أن الدور كان صغيرًا، فإن مديحة استطاعت أن تلفت الأنظار بموهبتها وحضورها، لتأتيها بعد ذلك فرصة أكبر، حين عُرض عليها أداء دور البطولة في فيلم «أحلام الشباب».

كان الفيلم بمثابة بداية صفحة جديدة في حياتها، لتنتقل مديحة يسري من طفلة مختلفة اتُّهمت في قريتها بأنها «ممسوسة» بسبب ميلها إلى العزلة والتأمل، إلى واحدة من أبرز نجمات السينما المصرية، في رحلة بدأت من الريف وانتهت تحت أضواء الشاشة الكبيرة.